يا حبيبي وحشتني وعليك وغوشتني
في ذاكرة اجيال كاملة، لم يكن صوت هاني شاكر مجرد غناء عابر، بل كان جزءا من التكوين الداخلي للروح. كبرنا لا على ايقاع الزمن فقط ، بل على ايقاع أصوت احببناها. منهم صوت هاني شاكر ، فصار وجداننا مشغولا بنبراته، ومشاعرنا تتشكل على مقاس ذلك الحزن النبيل الذي كان يسكبه في الكلمات. لم نتعلم الحب من الكتب، بل من اغنياته، ولم نفهم الانتظار كفكرة، بل كحالة عشناها معه، حتى اصبح صوتا يسكننا اكثر مما نسمعه.
الفن الحقيقي لا يقاس بعدد الأغاني، بل بقدر ما يتركه الفنان من أثر في أرواح الناس.
وهاني شاكر لم يكن مجرد مطرب، بل كان مرآة لوجدان جيلٍ بأكمله، علمنا أن الرقة ليست ضعفا، وأن الحزن يمكن أن يكون جميلا حين يغني.
واليوم، ونحن نسمع عن مرضه الشديد، لا نقف امام خبر عابر، بل امام اختبار وجودي دقيق، يكشف كم ان ما نعتقده بعيدا عنا، يسكن في اعماقنا دون ان ندري. نحن لا نخاف عليه فقط، بل نخاف على ذلك الجزء منا الذي تشكل بصوته، على تلك النسخة الرقيقة التي كنا نصيرها كلما غنى.
في “مشتريكي متبعيش” لم يكن الحب وعدا عاطفيا، بل كان التزاما وجوديا، موقفا من العالم، واختيارا لا يقبل التراجع. وفي “يا ريتك معايا” تحول الغياب من نقص الى امتلاء مؤلم، وصار الشوق وطنا بديلا نقيم فيه حين تضيق بنا الحياة.
ومع “كده برضه يا قمر” تعلمنا ان العتاب ليس خصاما، بل لغة خفية من لغات الحنان، وان القلب حين يتألم، لا يفقد قدرته على الحب، بل يثبتها.
وفي “حكاية كل عاشق” اكتشفنا اننا لسنا استثناء، بل صدى لقصة انسانية كبرى، تتكرر فينا بوجوه مختلفة.
لم يكن صوته منحازا للحب وحده، بل للانسان ايضا. في “علي الضحايا” كان الفن يتحول الى ضمير، والاغنية الى موقف، والحزن الى معنى مشترك
ثم ياخذنا الى عمق اكثر صفاء، حيث الحب عمر كامل في “بكل العمر حبيته”، وحيث البساطة هي اعلى درجات الصدق في “بحبك يا غالي”، وحيث السؤال نفسه اعتراف في “هو انت لسه بتسألي”، انت بالنسبالي ايه
لكن حين يضعف الصوت الذي كان يسند هشاشتنا، يتسلل الينا ذلك السؤال العاري، مع من نكمل هذا الطريق، ومع من نشارك هذا الوجدان، وكأن صداه البعيد يعود الينا في لحظة ارتباك وجودي، “أصاحب مين”، لا كاغنية، بل كمرآة لوحدة الانسان حين يخاف الفقد قبل وقوعه
ما اتحدث عنه اليوم ليس مرض فنان فقط، بل اهتزاز ذاكرة. نحن لا نراقب حالته الصحية فقط، بل نراقب انفسنا وهي تتكشف، نكتشف كم كنا نختبئ في صوته، وكم كان يمنحنا لغة حين تعجز الكلمات. هنا تتجلى المفارقة، ان الفن الحقيقي لا يعيش خارجنا، بل فينا، وان الفنان لا يكون عظيما لانه يغني جيدا، بل لانه يعيد خلقنا ونحن نستمع اليه.
تظل الحقيقة الاكثر عمقا، ان الانسان لا يفقد ما يحبه فجاة، بل يعي تدريجيا انه كان جزءا منه طوال الوقت. وبين الخوف والرجاء، نقف على حافة الدعاء، لا لنمنع القدر، بل لنتمسك بالمعنى. لان بعض الاصوات لا يمكن ان تختفي، حتى لو صمتت، وبعض الوجدان لا يمكن ان ينهار، لانه تعلم كيف يحب
ومهما حاولنا ان نطمئن انفسنا، يبقى ذلك الاعتراف الصادق، كجملة اخيرة لا تريد ان تنتهي
هاني شاكر… “نسيانك صعب أكيد”…
سلام على قلبه.. وسلام على صوته
وسلام على ما علمنا إياه:
أن نحب…
وأن نشعر…
وأن نظل، رغم كل شيء، أوفياء لقلوبنا.
# مجلة إيليت فوتو آرت


