في البدء حين لم تظهر كذبة( الفطرة) … قبل أن تخترق الأبصارُ صحف وسجلات التاريخ المدوَّن، وقبل أن تستقرَّ شفاهُ البشر على سؤال “لماذا؟”، كانت ثمة اخلاق بدائيةٌ تنبض في صمت السهوب الإفريقية، وتتنفس هواءَ البقاء تحت جلود لم يكتمل نضجُها بعد. هذا مقالٌ يُضيء تلك البدايات الأولى التي انحدرنا منها – الإنسان المنتصب (هومو إركتس)، إنسان نياندرتال، والإنسان العاقل (هومو سابيان) – متسائلاً عن اللحظة التي صار فيها فعلُ الخير أكثر من مجرد غريزة، وكيف رصد علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوري تلك الجذور الغائرة لسلوك الإيثار المتبادل والنفع الجمعي، حتى إذا شذَّ فردٌ عن ناموس الجماعة، نبذته وأقصته كطرفٍ ميتٍ يُبتر حفاظاً على الجسد ….. صمتٌ أعمق من الكلمات: حين بدأنا ننظر إلى بعضناعندما نُطالع بقايا “الإنسان المنتصب” الذي مشى على الأرض قبل نحو مليون وثمانمئة ألف عام، لا نجد كتباً ولا شرائع، بل نعثر على عظامٍ تروي حكاياتٍ لا تُصدَّق. جمجمةٌ عُثر عليها في دمانيسي بجورجيا، تعود لكهلٍ فقد جميع أسنانه قبل موته بسنوات طويلة، ولم يكن ليبقى حياً لولا أن رفقاءه كانوا يمضغون له الطعام أو يطهونه حتى يلين. في هذا المشهد البسيط ثمة خيطٌ أول من الأخلاق: لم يكن ذاك الفعل استثماراً في قريب يحمل جينات مشتركة فحسب، بل كان بدايةَ عبورٍ من “الأنا” البيولوجية إلى “النحن” الاجتماعية. عالم الأنثروبولوجيا كريستوفر بوهم يسمي هذا التحول بـ “الاختيار الأخلاقي”، حيث بدأت الجماعات تُفضّل الأفراد المتعاونين، وتُقصي الأنانيين، ليس بقرار واعٍ كقرارنا، بل بضغطٍ صامت جعل البقاء للأكثر التصاقاً بنسيج الجماعة.أما الإنسان المنتصب فقد خلّف لنا دلائل أخرى: مواقدُ نيرانٍ بُنيت بعناية، أدواتٌ حجرية متناظرة تطلبت تعليماً وتعلُّماً عبر الأجيال، وربما أولى رحلات الصيد التعاوني الكبير. هذا التعاون لم يكن ممكناً لولا بذور ثقة متبادلة، ولولا قدرة كل فرد على كبح جماح نوازعه الآنية كي يحصل على نصيب من غنيمة لن تُقتسم وحدَه أبداً. حين يلتقي صيادون حول فريسة ضخمة، تبرز قاعدةٌ غير مكتوبة: من يخاطر يحصل على نصيب، ومن يتقاعس تُنسى حصته. وقد صاغ روبرت تريفيرس نظرية “الإيثار المتبادل” ليشرح لنا كيف أن كائناً يمكنه مساعدة آخر مع توقع رد الجميل لاحقاً، شريطة أن تتوافر ذاكرة للوجوه، وقدرة على رصد المخادعين، والأهم من ذلك: غضبٌ جمعي حيال من يخرق القاعدة.نياندرتال: الإيثار المحفور في العظمعندما نأتي إلى إنسان نياندرتال، نلفظ اسمه اليوم مقروناً بالغلظة، لكن بين أيدينا آثارٌ تنهض شاهداً على أخلاقٍ أعمق مما تتصور. تأمل هيكل “شانيدار 1” المكتشف في كردستان العراق: رجلٌ بلغ الأربعين (وهو عمرٌ متقدم في زمانه) وقد تهشمت إحدى عينيه فأصبح أعمش، وضمرت ذراعه اليمنى، وأصيب بكسور بالغة في ساقه وقدمه التُهمت أجزاء منها. كل إصابة وحدها كانت كافية لتودي بحياته في عالم مفترس، لكنه عاش بعدها سنين طويلة. كيف؟ لولا جماعة حملت عنه ثقل البحث عن القوت، وضمدت جراحه، وانتظرته حين أبطأ، لما بقي ذلك الجسد الضعيف شامخاً. هنا لا نتحدث عن إيثار متبادل بحساب دقيق، بل عن “رعايةٍ تعاطفية” تنبع من شعور بدائي بأن هذا الكائن “أحدُنا”، وأن للجماعة قيمةً تتجاوز مجموع سواعدها السليمة. عالمة الأنثروبولوجيا بيني سبيكينز ترى أن ميلاد الأخلاق الحقيقي ليس في إدراك العدالة، بل في طاقة الرعاية التي تفيض من الأم على رضيعها، ثم تمتد لتشمل الرفيق والغريب، وهذه الطاقة قد تجذرت لدى نياندرتال كما تشهد قبورٌ رُصفت فيها الجثث بوضعية النوم، وأحياناً نُثرت فوقها الأزهار.ومع هذا المشهد المُفعَم بالحنان، يوثق السجل الأحفوري وجهاً آخر لا يقل أهمية في تشكيل الأخلاق: العقاب. جماعات نياندرتال التي عاشت في بيئات جليدية قاسية لم تكن تحتمل أنانياً يلتهم الطعام بعيداً عن الأعين، أو جباناً يترك حراس المخيم نياماً بلا رقيب. إذا تكرر الذنب، كان النبذ مصيراً أقسى من الموت ذاته. حين يطردك رهطك في سهوب التندرا، تفقد دفء النار التي يُشعلها الجميع، وتفقد العيون التي ترقب الخطر من كل جانب. هكذا أصبح النبذ أول محكمةٍ بلا قاضٍ، وأول قانونٍ بلا حروف. يقول ريتشارد رانغام في كتابه “مفارقة الخير”: “العقاب الجماعي هو المحرك الخفي للتعاون”، فالجماعات التي أتقنت فن نبذ الأنانيين وتأديب المتهورين هي التي كتبت لها النجاة، بينما تلاشت الجماعات التي تسامحت أكثر مما ينبغي…. هومو سابيان: ميلاد الأخلاق كلغة مشتركة ثم جاء الإنسان العاقل، ومع ظهوره قبل ثلاثمئة ألف عام تقريباً، ثم ثورته المعرفية قبل نحو سبعين ألفاً، لم يعد السلوك الأخلاقي مجرد استجابة صامتة للضغوط البيئية، بل تحول إلى منظومةٍ تُناقش وتُبرر وتُحكى. صدفٌ مثقوب من مغارات المغرب، وأساور من عاج الماموث في سيبيريا، ورسومٌ على جدران الكهوف تحكي صراع الإنسان مع الوحش – كلها شواهد على عقلٍ لم يعد يكتفي بالبقاء، بل صار ينسج عالماً رمزياً مشتركاً. هنا بالضبط تُزهر الأخلاق كما نعرفها.عندما رسم إنسان الكهف ثوراً برمح يخترق خاصرته، لم يكن يؤرشف واقعة صيد فقط؛ كان يُعلّم الصغار أن الجرأة المقرونة بالتخطيط الجماعي فضيلة. عندما دُفن طفلٌ مع أدوات زينة لا تُستخدم في حياته، كانت الجماعة تهمس: “حتى من لا ينتج له حقٌ في الكرامة”. هذا ما يسميه مايكل توماس يللو “الأخلاق القائمة على الشعور المشترك بـ’النحن’”. يقول توماس يللو إن التحول الأعظم حدث حين صار البشر ينظرون إلى أنفسهم من خلال عيون الآخرين، فأدركوا أن للجماعة “وجهة نظر” مستقلة، وأن الفرد لا يصبح إنساناً كاملاً إلا حين يتبنى هذه النظرة الجمعية ويدافع عنها.في قبائل الصيد والقطاف التي درسها علماء الأنثروبولوجيا الميدانيون كنماذج حية عن أسلوب حياة أسلافنا، مثل قبائل الهادزا في تنزانيا أو الكواسان في جنوب إفريقيا، نجد الآلية نفسها تتجسد كل يوم. الصياد الذي يعود بغزالة لا يحتفظ بها لنفسه. تُقسم بدقة، ليس فقط لأن هذا هو “العُرف”، بل لأن أعين الجائعين تذكره بأن الأنانية تُفقد المرء رصيده الاجتماعي. وفي الليل، حول النار، تبدأ جلسات “النميمة” التي يعدها العلماء بمثابة جهاز المناعة الأخلاقية للجماعة: تُروى قصص الكرماء فيُرفعون، وتُحكى سقطات البخلاء فيُخفضون. الأنثروبولوجي كريستوفر بوهم درس هذه الديناميكية في كتابه “الأصول الأخلاقية”، فلاحظ أن النميمة المتكررة ضد شخص ما هي أول درجة في سلم العقاب، تليها السخرية العلنية، ثم المقاطعة الاقتصادية، وأخيراً الإقصاء التام، وهو حكمٌ يندر أن ينجو منه أحد في البرية. هنا يغدو الضمير – ذاك الصوت الداخلي الذي يوبخنا – صدىً معتقاً لعشرات الأجداد الذين كانوا يهمسون حول النار ذاتها…. كيف رصد العلماء هذا التدرج اعتمد الباحثون منهجاً مركباً يجمع بين التنقيب في الأحافير، وتحليل سلوك الرئيسيات العليا، ومقارنة ثقافات الشعوب المعاصرة التي ما زالت على هامش الحضارة. من تفحص الشمبانزي، لاحظ فرانس دي وال أن جذور التعاطف والعدالة البدائية تسبق البشر؛ إذ يعزي الشمبانزي بعضه بعد خسارة معركة، ويثور إذا حصل رفيقه على مكافأة أفضل لقاء الجهد ذاته. هذه المشاعر الأولية هي المادة الخام التي اشتغل عليها التطور طويلاً.أما السجل الأحفوري فهو بمثابة مسرح الجريمة الذي يعيد العلماء تركيب أحداثه: عظام ملتئمة تدل على الرعاية، وأسنان متآكلة لمسنين لا يستطيعون المضغ تدل على أن المجموعة كانت تشاركهم الطعام الطري، ومعسكرات ضخمة تشهد على تنسيق لا يمكن أن يتم دون لغة أو نظامٍ من الإشارات. وعندما حلل علماء النفس التطوري مثل أوليفر سكوت كاري مفهوم الأخلاق، وجدوا أنه يمكن تفكيكه إلى سبعة أنماط سلوكية كونية: حب الأسرة، الولاء للجماعة، الإيثار المتبادل، الشجاعة، احترام الملكية، احترام السلطة الشرعية، والطهارة. هذه الأنماط، كما يقول كاري، لم تنزل دفعة واحدة، بل تدرجت بتطور التحديات: أولاً التعاون مع الأقارب (اصطفاء القرابة)، ثم التعاون مع الغرباء الذين يمكن الوثوق بهم (الإيثار المتبادل)، ثم بناء هوية جماعية تذوب فيها المصالح الفردية (اصطفاء الجماعة ثقافياً).في المحصلة، لم تكن نشأة الأخلاق قصة جميلة عن كائنات طيبة بالفطرة، بل كانت ملحمة عن التوتر الأبدي بين رغبات الفرد ومتطلبات الجماعة. كلما امتدت السهوب وعظم الخطر، ازداد اعتماد البشر على بعضهم، وازدادت تبعاً لذلك صرامةُ القانون الأخلاقي غير المكتوب: “تعاون وإلا هلكت وحدك”. وهكذا، حين نحاول أن نفهم لماذا يخفق قلبنا حين نصنع الخير، ولماذا نغرق في العار حين نقصر في حق جماعة ننتمي إليها، فإننا لا نستدعي تعاليم الفلاسفة وحدها؛ إنما ننصت إلى صدى طويل يصلنا من بقايا مواقد في دمانيسي، ومن كهوف شانيدار، ومن حكايات ما زالت تروى بالهمس حول نيران المعسكرات الأولى … RAMI المصادر و المراجع 1. Boehm, C. (2012). Moral Origins: The Evolution of Virtue, Altruism, and Shame. Basic Books.2. Tomasello, M. (2016). A Natural History of Human Morality. Harvard University Press.3. de Waal, F. (2006). Primates and Philosophers: How Morality Evolved. Princeton University Press.4. Wrangham, R. (2019). The Goodness Paradox: The Strange Relationship Between Virtue and Violence in Human Evolution. Pantheon.5. Trivers, R. L. (1971). The Evolution of Reciprocal Altruism. The Quarterly Review of Biology, 46(1), 35–57.6. Hrdy, S. B. (2009). Mothers and Others: The Evolutionary Origins of Mutual Understanding. Harvard University Press.7. Spikins, P. (2015). How Compassion Made Us Human: The Evolutionary Origins of Tenderness, Trust and Morality. Pen and Sword.8. Curry, O. S. (2016). Morality as Cooperation: A Problem-Centred Approach. In T. K. Shackelford & R. D. Hansen (Eds.), The Evolution of Morality (pp. 27–51). Springer.9. Lordkipanidze, D., et al. (2005). The earliest toothless hominin skull. Nature, 434, 717–718.10. Trinkaus, E., & Villotte, S. (2017). External auditory exostoses and hearing loss in the Shanidar 1 Neandertal. PLOS ONE, 12(10), e0186684.# المثقفون السوريون #مجلة ايليت فوتو ارت.


