نظرية التحفيز الإنساني- هرم ماسو

في عام 1943 قدّم أبراهام ماسلو تصوّرًا ثوريًا لطبيعة الدافعية الإنسانية في دراسته الشهيرة «نظرية في التحفيز الإنساني»، لم يكن فيها بصدد تعداد حاجات بيولوجية أو نفسية فحسب، بل كان يؤسس لرؤية فلسفية–أنثروبولوجية للإنسان بوصفه كائنًا يتدرّج في الوعي والغاية، من البقاء إلى المعنى، ومن الحاجة إلى الحرية. إن «هرم ماسلو» ليس مجرد مخطط تربوي أو إداري، بل خريطة وجودية تكشف كيف يُبنى الإنسان من الأسفل إلى الأعلى، وكيف ينهار حين يُقطع هذا التدرّج قسرًا.تنطلق النظرية من مسلّمة علمية نفسية تقول إن الدافع الإنساني منظم هرميًا، وأن الحاجات لا تعمل في فراغ بل ضمن نظام أولوية، حيث لا يمكن للإنسان –في الغالب– أن ينشغل بالمعنى وهو مهدد بالجوع، ولا أن يبدع وهو خائف. يقول ماسلو:«الإنسان كائن راغب دائمًا، وما إن تُشبَع حاجة حتى تظهر أخرى لتحل محلها».بهذا المعنى، فإن الهرم ليس ثابتًا، بل ديناميكي، يعكس حركة النفس البشرية في بحثها الدائم عن الاكتمال.القاعدة الأولى للهرم هي الحاجات الفيزيولوجية، وهي الجذر البيولوجي للوجود الإنساني: الطعام، الماء، النوم، المأوى، الجسد الآمن من الانهيار. فلسفيًا، تمثل هذه المرحلة «الإنسان الطبيعي» كما وصفه هوبز، حيث تكون الغاية الأولى هي البقاء. نفسيًا، الإنسان في هذه المرحلة لا يفكر بالقيم أو المبادئ، بل يستجيب لإشارات الجسد. وأي خطاب أخلاقي أو ثقافي يُوجَّه لإنسان جائع هو –علميًا– خطاب معطوب، لأن الوعي هنا محكوم بالضرورة. لذلك يقول ماسلو بوضوح:«من الصعب جدًا أن يكون المرء أخلاقيًا وهو جائع».هذه الحقيقة تهدم كثيرًا من الأحكام الأخلاقية المتعالية التي تتجاهل شروط العيش المادي.فوق هذه القاعدة تأتي حاجات الأمن والسلامة، وهي انتقال من الخوف الغريزي إلى البحث عن الاستقرار. هنا يبدأ الإنسان بالخروج من اللحظة الآنية إلى المستقبل: أمن وظيفي، أسري، قانوني، نفسي. فلسفيًا، هذه المرحلة هي لحظة «العقد الاجتماعي» الأولى؛ حيث لا يعود الإنسان مكتفيًا بالطعام، بل يريد ضمان استمراره دون تهديد. علم النفس يؤكد أن غياب الأمن يُنتج عقلًا قلقًا، مهووسًا، عاجزًا عن الإبداع. يقول ماسلو:«الحاجة إلى الأمان يمكن أن تكون دافعًا أقوى من الحاجة إلى الحب أو التقدير».ولهذا، فإن المجتمعات التي تعيش في خوف دائم –حروب، قمع، فوضى– تبقى عالقة في هذه الطبقة، مهما رفعت من شعارات ثقافية أو أيديولوجية.ثم نصل إلى الحاجات الاجتماعية: الانتماء، الحب، الصداقة، القبول. هنا يولد الإنسان الاجتماعي كما وصفه أرسطو: «الإنسان حيوان اجتماعي». نفسيًا، يبدأ الفرد بتعريف ذاته من خلال الآخر، ويبحث عن الاعتراف العاطفي لا المادي فقط. غياب هذه الحاجة يؤدي إلى العزلة، الاكتئاب، والعدوانية. ماسلو يرى أن الإنسان لا ينهار فقط حين يُجَوَّع، بل حين يُهمَّش ويُقصى، ويقول:«ما نحتاجه أكثر من أي شيء آخر هو أن نكون مفهومين ومقبولين».في بيئات العمل والمجتمعات، تجاهل هذه الحاجة يؤدي إلى التفكك، الصراع، وانخفاض الإنتاج، لأن الإنسان لا يعمل بروحه ما لم يشعر أنه جزء من جماعة ذات معنى.بعد ذلك تأتي حاجات التقدير، وهي نقطة التحول من «الانتماء» إلى «القيمة». هنا لا يكتفي الإنسان بأن يكون مقبولًا، بل يريد أن يكون محترمًا، مرئيًا، معترفًا بكفاءته. نفسيًا، يتشكل تقدير الذات، ويبدأ الإحساس بالجدارة. فلسفيًا، هذه المرحلة ترتبط بفكرة الكرامة الإنسانية. ماسلو يميز بين تقدير خارجي (الشهرة، المكانة) وتقدير داخلي (الاحترام الذاتي)، ويؤكد أن الثاني أعمق وأبقى. يقول:«الاحترام الذاتي الحقيقي لا يعتمد على تصفيق الآخرين».المجتمعات التي تحطم كرامة الفرد، حتى لو وفرت له الطعام والأمن، تصنع إنسانًا ناقمًا أو منسحبًا، لا مبدعًا.في قمة الهرم تقف الحاجة إلى تحقيق الذات، وهي أعمق مستوى في التجربة الإنسانية. هنا لا يعود السؤال: ماذا أملك؟ أو كيف يراني الآخرون؟ بل: من أنا؟ وماذا يمكن أن أكون؟ تحقيق الذات هو أن يعيش الإنسان إمكاناته القصوى، وأن ينسجم مع قيمه الداخلية، وأن يحوّل طاقته إلى إبداع ومعنى. فلسفيًا، هذه المرحلة تلتقي مع مفهوم «الإنسان المتجاوز» عند نيتشه، ومع «الاكتمال» في الفلسفات الوجودية والروحية. ماسلو يصف الأشخاص المحققين لذواتهم بقوله:«إنهم أكثر واقعية، أكثر قبولًا للذات وللآخرين، وأكثر قدرة على الإبداع والحرية».وهؤلاء لا تحكمهم المخاوف الصغيرة، لأنهم تجاوزوا صراع البقاء إلى أفق المعنى.لكن القراءة العلمية النقدية تبيّن أن هرم ماسلو ليس قانونًا صارمًا، بل نموذجًا إرشاديًا. فالتجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا؛ أحيانًا يبدع الإنسان في القهر، وأحيانًا يضحّي بالأمن من أجل قيمة. إلا أن قوة النظرية تكمن في كشفها للبنية العميقة للدافع الإنساني، وفي تحذيرها من وهم القفز فوق الحاجات. فلا نهضة بلا أمن، ولا أخلاق بلا عدالة، ولا إبداع بلا كرامة.خلاصة القول: هرم ماسلو ليس مجرد تصنيف للحاجات، بل مرآة لحقيقة الإنسان: كائن يبدأ من الجسد ولا ينتهي عنده، يمر بالخوف والعلاقة والاعتراف، ليصل –إن أُتيحت له الشروط– إلى الحرية والمعنى. وكل مشروع سياسي، اجتماعي، تربوي، أو حضاري، يتجاهل هذا التدرّج، إنما يبني فوق فراغ، ويحكم على الإنسان بالبقاء في أسفل الهرم، مهما رفع من شعارات عليا # موسوعة العلوم# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم