سلطان البدايات: بحث في السلطة- المؤلفة: ميريام ريفولت دالون- المترجم: سايد مطريقدّم الكتاب معالجة فلسفية دقيقة لمفهوم السلطة انطلاقًا من لحظة نشأتها الأولى، أي لحظة التأسيس التي تظهر فيها السلطة دون أن تستند إلى سلطة سابقة. تنظر ميريام ريفولت دالون إلى هذه البداية بوصفها حدثًا زمانيًا مؤسِّسًا، تُبنى فيه الشرعية عبر الاعتراف الجماعي. يربط الكتاب بين السلطة والزمان والديمومة، ويجعل من السلطة عنصرًا بنيويًا في قيام الحياة المشتركة واستمرارها عبر تعاقب الأجيال.السلطة والسلطان: تمييز مفهومييرتكز الكتاب على تمييز صارم بين السلطة والسلطان. فالسلطان يتحدد في الحيز المكاني ويعتمد على القوة الجبرية وأدوات الإكراه لحفظ النظام القائم، ويعبّر عن البعد الأداتي للحكم وإدارة المصالح. أما السلطة فتتأسس في الزمان، وتستمد مشروعيتها من فعل التأسيس الأول الذي يمنحها أسبقية زمانية. تقوم السلطة على الاعتراف والثقة، وتعمل على ضمان ديمومة العالم المشترك واستمراريته، بما يجعلها شرطًا لقيام الرابط الاجتماعي والنقل بين الأجيال.السلطة بوصفها فعل تأسيس زمانيتفهم المؤلفة السلطة بوصفها فعل تأسيس يرتبط بنشأة الحياة المشتركة الإنسانية. تستمد السلطة مشروعيتها من هذا التأسيس الأول الذي يتحول إلى تقليد حي، ويشكّل مرجعًا معياريًا للأجيال اللاحقة. هذا الارتباط يجعل السلطة عابرة للأزمنة، حاضرة في كل فعل إنساني يهدف إلى حفظ العالم المشترك وصيانته وتجديده. من هنا تظهر السلطة باعتبارها بعدًا زمانيًا بنيويًا لا ينفصل عن التاريخ الإنساني.النماذج القديمة: روما واليونانتستحضر دالون التجربتين الرومانية واليونانية لفهم العلاقة بين السلطة والديمومة. في التجربة الرومانية، تتجسد السلطة في تقديس ماضي الآباء والأجداد وتعظيم إنجازاتهم، حيث يشكّل مجلس الشيوخ مقام السلطة بوصفه حاملًا لتقليد حيّ يوجّه الحاضر. أما في التجربة اليونانية، فتتجلى السلطة في المدينة بوصفها فضاءً عامًا قائمًا على الكلام والحوار والمساواة أمام القانون، حيث يرتبط النظام السياسي بتصوّر عقلاني للعالم يقطع مع الأسطورة ويؤسس لنمط جديد من العيش المشترك.الحداثة والقطيعة مع التقليديناقش الكتاب إشكالية الحداثة من خلال الجدل بين أطروحة القطيعة مع الماضي وأطروحة الاستمرارية المعلمنة. تُعرض أطروحات هانس بلومنبرغ التي تؤكد استقلالية الحداثة وتأكيدها الذاتي، في مقابل أطروحات كارل شميت التي ترى في مفاهيم الدولة الحديثة تصورات لاهوتية معلمنة. تبيّن المؤلفة أن هذا الجدل يتمحور حول مسألة مشروعية الأزمنة الحديثة ومصدر السلطة فيها، بين الزمانية التاريخية والتأكيد الذاتي للعقل الحديث.أزمة السلطة في الديمقراطيات الحديثةتحلل دالون آثار القطيعة مع الماضي على الديمقراطيات الحديثة، حيث يؤدي تراجع سلطة التقليد إلى تفكك النسيج الاجتماعي وصعود الفردانية المفرطة وانحسار الاهتمام بالحيز العام. تنتقل مشروعية السلطة من التقليد إلى الفرد، وتتأسس النظريات التعاقدية التي تجعل التعاقد مصدر السلطة. هذا التحول يفضي إلى أزمة زمانية تتجسد في انقطاع التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهو ما عبّر عنه ألكسيس دو توكفيل بوصفه انحباس الفرد في ذاته وتلاشي الديمومة الجماعية.السلطة والاعتقاد: قراءة في فيبر وأرندتتستعين المؤلفة بتحليل ماكس فيبر لأنماط الشرعية، وتبرز دور الاعتقاد والثقة في تأسيس السلطة، سواء في أنماط السيطرة التقليدية أو الكاريزماتية أو العقلانية القانونية. كما تستند إلى حنّة آرندت لتبيّن أن فقدان التقليد لا يعني نسيان الماضي، بل يفتح إمكانية جديدة للانفتاح على ماضٍ غير متوقّع الحيوية، قابل لإعادة التفعيل في الحاضر.إعادة وصل الأزمنة ورأب التصدعيقوم المشروع الفكري للكتاب على إعادة اللحمة إلى الزمانية الإنسانية عبر وصل الماضي بالحاضر والمستقبل. ترى المؤلفة أن الماضي لا يفرض قيمًا غريبة عن الحاضر، بل يشكّل جذوره العميقة. معرفة التأسيس الزماني اقتراب دائم من الأصل دون بلوغه، وهو ما يمنح الزمان سحره وطاقته الخلّاقة. تؤكد دالون ضرورة الانفتاح على المستقبل بوصفه امتدادًا حيًا للماضي، ومجالًا للإبداع والتجديد ضمن استمرارية التاريخ الإنساني.الخلاصة الختاميةيقدّم كتاب سلطان البدايات تصورًا للسلطة بوصفها علاقة اعتراف زمانية تؤسس للديمومة والحياة المشتركة. يبيّن أن أزمة السلطة في العالم المعاصر تعود إلى انقطاع التواصل بين الأزمنة، ويطرح استعادة هذا التواصل شرطًا لبقاء الديمقراطيات وحيوية المجال العمومي. يربط الكتاب بين الفلسفة السياسية والتاريخ وعلم الاجتماع، ويعيد الاعتبار للسلطة باعتبارها فعل تأسيس يمنح المعنى للاستمرار الإنساني.https://archive.org/download/0442-pdf_20210113/0442%20%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%20%20pdf%20%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A8%D8%AD%D8%AB%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9%20-%20%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%85%20%D8%B1%D9%8A%D9%81%D9%88%D9%84%D8%AA%20%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%86.pdf


