مناقشة لعدد من اهم الافلام التي شاركت في كان ٦٩.

من أهم أفلام كانّ 79.

بعد “الأشعّة والظلال” لكزافييه جيانولي، تواصل السينما الفرنسية البحث في دفاتر الحرب العالمية الثانية، والاحتلال النازي، وسِيَر المتعاونين معه. هذه المرة عبر “خلاصنا” لإيمانويل مار (مسابقة كانّ 79 – جائزة السيناريو)، الذي يبني نصّه السينمائي اللافت على المراسلات المتبادلة بين جدّه الأكبر وزوجته بوليت في مطلع أربعينات القرن الماضي؛ مراسلات تنضح بالحبّ، لكنها تكشف في الوقت نفسه ملامح حقبة مضطربة تتداخل فيها المشاعر الخاصة مع التحوّلات السياسية الكبرى. على امتداد ساعتين ونصف الساعة، يرسم الفيلم بورتريهاً دقيقاً لرجل يُدعى هنري (سوان آرلو)، يرتبط بنظام فيشي ويتسلل إلى دهاليزه وآلياته الإدارية من بوابة الوظيفة، مدفوعاً باقتناع راسخ بأن ما يقوم به يصبّ في مصلحة فرنسا وإنقاذها. وهو يتسلّح، في كلّ منعطف، ببراغماتية وحنكة عملية تتيحان له تبرير خياراته. غير أن هذه الاقتناعات لا تحول دون انحداره التدريجي نحو التعاون مع المحتلّ، حتى وإن ظلّ أحياناً متموضعاً على ذلك الخط الفاصل بين التواطؤ والامتناع، وبين المشاركة والتبرؤ منها.

المخرج، ابن حفيد هذا الرجل، يمتنع عن الإدانة المباشرة، على الرغم من مواقفه التقدّمية المعلنة، مفضّلاً مساءلة التعقيد الإنساني.

يصل هنري إلى المدينة المتعاونة مع الاحتلال الألماني، متأبّطاً كتاباً ألّفه وأطلق عليه عنوان “خلاصنا”، هو أشبه ببيان فكري أو مانيفستو يتطلّع إلى أن يستفيد منه النظام الجديد، وأن يضمن له في الوقت نفسه موقعاً داخله. من هذه اللحظة، يقدّم الفيلم شخصية ترى في نفسها فاعلاً عقلانياً يسعى إلى التأثير في مجرى الأحداث، بدلاً من الانصياع لها.

يقترب الفيلم من احتلال فرنسا عبر أولئك الذين التصق بهم العار بعد الحرب، كما فعلت أعمال سينمائية عديدة تناولت المنعطفات التاريخية الكبرى من منظور أولئك الذين أُقصوا لاحقاً من السردية الرسمية، ولعل “الإنكليزية والدوق” لإريك رومير، الذي أعاد قراءة الثورة الفرنسية من وجهة نظر الملكيين، أبرز الأمثلة على ذلك. في هذا الاختيار يكشف إيمانويل مار عن شجاعة أدبية وفنية، إذ يضع نفسه في مواجهة معضلة أخلاقية تمسّ تاريخه العائلي وجذوره.

لعلّ هذا البُعد الذاتي هو ما يفسّر القدر الكبير من الصدق والحيوية اللذين يميزان الفيلم. فبدلاً من إعادة اجترار موضوع استُهِلك سينمائياً وأدبياً على مدى عقود، يبث مار روحاً جديدة في قضية بدت كأنها استنفدت إمكاناتها.

هذا فيلم يقول الكثير عن تلك المرحلة: عن رجالها وأفكارها، تخبطاتها وتناقضاتها، وعن الانحدار الأخلاقي الذي قاد كثيرين إلى خيارات كارثية. كما يتأمّل الفرص التي أضاعها بعضهم، حين اختاروا الاصطفاف في هذا المعسكر لا ذاك، أو المكوث في منطقة رمادية بين الطرفين.

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم