من يشعل الوميض في قاع البحر ؟.. لغز الضوء الأزرق الذي حيّر العلماء

كتبت/ نجده محمد رضا

في ظلمات أعماق المحيط، حيث تندر أشعة الشمس وتغيب الحياة كما نعرفها، يظهر ضوء أزرق غامض يتلألأ كأنه نبض حياة غير مرئي.

هذا الضوء الأزرق ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو لغة حية تخاطب بها كائنات البحر بعضها البعض في عالم مظلم يكاد يكون منقطعًا عن باقي الكوكب.

العديد من الكائنات البحرية تستخدم هذا الوميض الأزرق لتضيء طريقها، لصيد فرائسها، أو حتى للتواصل مع أقرانها في أعماق لا تصل إليها أيدينا.

يُطلق على هذه الظاهرة اسم “التلألؤ البيولوجي” أو “البيولومينيسنس”، وهي قدرة حيوية على إصدار الضوء تنتجها بعض الكائنات الحية من خلال تفاعلات كيميائية معقدة داخل أجسامها هذه القدرة تميز مجموعة واسعة من الكائنات البحرية من قناديل البحر الشفافة إلى الأسماك ذات العيون العملاقة، وحتى بعض أنواع القشريات. الضوء الأزرق هو الأكثر شيوعًا في هذا العالم تحت الماء لأنه ينتقل عبر الماء بكفاءة أعلى من ألوان أخرى، ما يجعل الرسائل الضوئية أكثر وضوحًا.

لا يقتصر دور هذا الضوء على التواصل فقط، بل هو سلاح دفاعي فعال. عندما يشعر الحيوان بالخطر، يمكنه إطلاق ومضات مفاجئة تربك المفترسين أو تجذب حيوانات أكبر لتهاجم المعتدي. وفي بعض الحالات، تستخدم الكائنات هذا الضوء كطُعم، حيث تصدر ومضات تجذب الفريسة نحوها، ثم تنقض عليها بسرعة. هذا التنوع في استخدام الضوء يجعل من أعماق البحار مسرحًا لحكايات بصرية لا تنتهي.

العلماء يواصلون دراسة هذا الضوء الغامض لفهم كيف تطورت هذه الظاهرة وكيف تؤثر على النظام البيئي البحري ككل.

يعتقد البعض أن التلألؤ البيولوجي قد يكون وسيلة تبادل معلومات بيئية دقيقة، كدرجة الحرارة، أو شدة التيارات، أو حتى حالة الصيد، ما يساهم في بقاء هذه الكائنات في بيئة تتسم بالقسوة والعزلة. كل ومضة أزرق تحكي قصة بقاء، ذكاء، وتكيف مع أعماق لا ترحم.

بينما يستمر الضوء الأزرق في الرقص تحت أمواج المحيط، يظل هذا الوميض الغامض رمزًا للجمال الغامض في عالمٍ مظلم، يختبئ فيه السر الأكبر للحياة التي لم تُكتشف بعد، تاركًا البشر في حالة دهشة دائمة أمام أعاجيب الطبيعة التي لا تنضب.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم