بقلم د. نادي شلقامي
— استهلالٌ في محرابِ النور
باسم الله الذي استفتحَ بالقلمِ كتابَه، وجعلَ العقلَ مِفتاحَ أبوابِه، خَلَقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، وعَلَّمَه من لدُنْه صراطاً مستقيماً، وسخَّر له ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليكونَ آيةً للسائلين، ونبراساً للمتفكِّرين.
وفي هذا المدى الفسيح، يبرزُ “العلمُ” لا كمجردِ أرقامٍ ومعادلات، بل كأرقى شعائرِ العبادة؛ فهو سِياحةٌ خاشعة في عقلِ الطبيعة، واستنطاقٌ بليغٌ لصمتِ المادة، وتدبُّرٌ يورثُ اليقين في بَدائعِ صُنعِ الخالق.
في السادسِ والعشرين من فبراير، نفتحُ سِجِلَّ الخلود لنستحضرَ ميلاد “قنصليِّ الضوء” وسفيرِ الأمةِ إلى آفاقِ المعرفة؛ الأيقونة التي جابت آفاقَ الأرضِ بقلبٍ مصريٍّ ويقينٍ إيمانيّ، فبدَّدت بسنا فكرِها ظلامَ الحيرة، ومزَّقت بليزرِ اكتشافِها حُجُبَ المادة.
إنه العالمُ الجليل أحمد زويل، ذلك الفتى الذي انطلقَ من جِنانِ دمنهور، ليتجاوزَ حدودَ الجغرافيا ويخترقَ جدارَ الزمن، مُدشِّناً للبشرية عصر “الشهودِ العلمي” ؛ حيثُ لم يعدِ التفاعلُ الكيميائيُّ لغزاً مستتراً، بل صارَ مَشهداً مرئياً يُبصِرُ أدقَّ تفاصيلِ الحياة في أصغرِ أجزاء الثواني.
لقد جسَّد زويل في رحلتِه الملحمية تلك المعادلةَ الصعبة: طُمأنينة المؤمن، وجسارة العالِم؛ فلم يرَ في سبرِ أغوارِ الذرةِ إلا دُنوّاً من جلالِ الذاتِ الإلهية، مُبرهِناً للعالمِ أجمع أنَّ المجدَ لا يُنالُ بالتمنِّي ولا يُورثُ بالأنساب، بل يُنتزَعُ بصدقِ النيةِ وعَرَقِ الجبين، وأنَّ مَن توكلَ على ربِّ الفلق، فُتِحت له مغاليقُ الكون، وصارَ المستحيلُ تحتَ قدميه واقعاً يُرى.
— رحلةُ الزمان.. من دمنهور إلى ملكوت الخلود
أولاً…. النشأة والإيمان..
(جذورٌ راسخة في تربة اليقين)
— في دمنهور وُلد. وفي كنف أسرة مصرية أصيلة، ترعرع على قيم الدين والأخلاق. كان القدرُ يمهد له الطريق منذ الصغر؛ فعندما وضع أهله لافتة “الدكتور أحمد زويل” على باب غرفته وهو طفل، لم تكن مجرد لعبة طفولة، بل كانت نبوءةً آمن بها الصغير فسعى خلفها حتى صار الحلم حقيقة.
— لم تكن بساطة البدايات قيداً على روحه، بل كانت الوقود الذي حرَّك عقله للتأمل في ملكوت الله. وقد عبَّر عن هذه الفلسفة العميقة بكلمات تصلح دستوراً للأجيال:
“أنا من أسرة متدينة، وكلما تعمقت في العلم، لم أجد أبدًا نزاعًا بين العلم والدين؛ فالتدين يمنحك اليقين وراحة نفسية لا يمكن أن تشرح بصيغة علمية”.
— هذه المقولة ليست مجرد رأي، بل هي دستور المصالحة بين العقل والقلب، وردٌّ حاسم على دعاة الفصل المزعوم بين الإيمان والعلم. إنها تؤكد أن التفوق الحقيقي لا يصنعه الذكاء وحده، بل ينبع من الرضا والسكينة النفسية التي يمنحها اليقين.
ثانياً…. الفيمتو ثانية..
( حين روَّض المصريُّ المستحيل)
— الإنجاز الذي خلَّد اسم أحمد زويل في سجل الخالدين لم يكن اكتشافاً عابراً، بل كان ثورةً قلبت موازين الفيزياء والكيمياء.
— لقد تمكن من اختراق حاجز الزمن ذاته، ليصوِّر ما كان العلماء يظنونه غيباً علمياً لا يُرى: حركة الذرات أثناء التفاعل الكيميائي.
— في زمن لا يتجاوز “الفيمتو ثانية” – وهو جزء من مليون مليار جزء من الثانية – استطاع هذا المصري أن يوقف العالم ليلتقط صورة “للحظة المخاض” بين المواد. ولتقريب هذا الإعجاز للأذهان: النسبة بين الثانية الواحدة والفيمتو ثانية، كالنسبة بين ثانية واحدة واثنين وثلاثين مليون سنة!
— هذا الإنجاز المذهل جعله يُلقب عالمياً بـ “أبي كيمياء الفيمتو” . لقد نقل العلم من عالم السكون والتخمين إلى عالم اليقين البصري، وفتح الأبواب لعلاجات جينية وصناعات تكنولوجية كانت ضرباً من الخيال قبل اكتشافه. وكما قالت الأكاديمية السويدية عندما منحته الجائزة:
— لقد أحدث زويل ثورة حقيقية جعلتنا نرى حركة الجزيئات كما نرى حركة لاعبي كرة القدم في الملعب”.
ثالثاً…. التتويج العالمي..
( عبقريةٌ شرقية في صدارة المشهد)
— حين أعلن فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، لم يكن فوزاً لفرد، بل كان استرداداً لكرامة أمة بأكملها.
— كان أول مصري وعربي ينال هذه الجائزة في الكيمياء، ليُثبت للعالم أن العقل الشرقي إذا وجد البيئة المناسبة والدعم الحقيقي، فإنه يبدع بإمتياز.
— تُروى لحظة إعلان الفوز أنه كان في معمله كعادته، وعندما تلقى الاتصال من السويد، ظل هادئاً ثم عاد إلى عمله.
— وعندما سأله طلبته عن سبب هدوئه، قال عبارته الخالدة: “أنا أعمل من أجل العلم، لا من أجل الجوائز. الجوائز تأتي نتيجة، لا هدفاً”.
— توالت عليه الأوسمة والتكريمات كالغيث؛ فنال أكثر من 31 جائزة دولية، منها قلادة النيل العظمى، وجائزة الملك فيصل العالمية، ووسام بنجامين فرانكلين. بل واختاره الرئيس الأمريكي ضمن مجلسه الاستشاري العلمي.
— لكن التكريم الأسمى في نظره، والذي كان يردده دائماً بفخر، كان عودة الأمل لشباب الأمة بأننا “نستطيع”.
رابعاً…. حكيمُ النهضة..
( تشخيصُ الداء ووصفُ الدواء)
— لم يكن أحمد زويل عالماً منغلقاً في معمله، بل كان مفكراً استراتيجياً يرى بعين البصيرة عثرات قومه ويداويها.
— تبقى مقولته الأشهر كأنها صرخة مدوية في وجه الركود الثقافي: «الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء؛ هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل!»
— بهذا التشخيص الجريء، وضع يده على مكمن الخلل الذي يعطل نهضتنا.
— ولم يكتفِ بالنقد، بل انتقل إلى الفعل؛ فأسس “مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا” لتكون على أرض مصر “قاعدة الصواريخ العلمية” التي تنطلق بها نحو المستقبل.
— أرادها حضناً للنوابغ، ومكاناً يحتضن العقول المبدعة لكي لا تضطر للهجرة بحثاً عن التقدير الذي تستحقه.
وختاما…. رحيلُ الجسد.. وانبلاجُ النور الأبدي
في أغسطس 2016، رحل أحمد زويل عن عالمنا. لكنه أبى أن يرحل دون أن يترك بصمةً وراثية في عقل كل طالب علم، وشعلةً تتوارثها الأجيال.
لقد أثبت لنا أن الموت لا يطال أصحاب الرسالات؛ فهو ليس نهاية، بل انتقال من ضيق الدنيا إلى سعة التاريخ. من يعش من أجل العلم والقيم، يخلد اسمه ما دامت العقول تبحث، وما دامت القلوب تؤمن بأن “فوق كل ذي علم عليم”.
في ذكرى ميلاده، نقف إجلالاً لهذا “المصري العالمي” الذي علمنا أن ننظر إلى النجوم وأقدامنا مغروسة في تراب الوطن، وأن نؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد لامتلاك القوة والسيادة. علمنا أن الإنسان إذا توكل على الله وأخذ بالأسباب، استطاع أن يصنع من المستحيل واقعاً، وأن يصور أعقد تفاصيل الكون، ويخط اسمه بحروف من نور.
رحم الله أحمد زويل.. الذي طوَى الزمنَ في معمله، وبقي ذكرُه حياً في قلوبنا.
كلمة أخير…إن أعظم وفاء لذكرى أحمد زويل ليس في تدوين الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، بل في استكمال حلمه. في تحويل صروح العلم التي شيدها إلى خلايا نحل تنتج المعرفة وتصنع المجد. في أن نجعل من كل طالب علم مصري “زويلاً جديداً” يؤمن بأنه قادر على تغيير العالم.
هكذا يكون الخلود: أن تموت، ويبقى في أيدي من جاؤوا بعدك ضوء.
******
المصادر
حديث وطن


