الثقافة البصرية، من صور الذاكرة الجمعية لصناعة الوعي الحضاري. د. عصام عسيري تعدد الآراء حول الدور الاجتماعي للفن وتتشعب المقاربات الفكرية التي تحاول تفسير علاقته بالمجتمع. فهناك من يرى أن الفن يستمد شرعيته وأهدافه من كونه نتاجاً اجتماعياً يعبر عن الجماعة ويعكس قيمها وتطلعاتها، بينما يذهب آخرون إلى أن دور المبدع لا يقتصر على التعبير عن الواقع الاجتماعي، بل يتجاوزه إلى إعادة تشكيل هذا الواقع والتأثير في أنماط التفكير والذوق والسلوك من خلال ما يقدمه من رؤى وصور وأشكال جديدة.والحقيقة أن هذين الاتجاهين ليسا متعارضين بقدر ما هما متكاملان؛ فالفنان ابن بيئته وزمانه، يتأثر بالمجتمع كما يؤثر فيه. إنه يحمل ذاكرة جماعية تشكل وعيه، لكنه في الوقت نفسه يمتلك حساسيته الفردية وقدرته على إعادة صياغة الخبرة الإنسانية في صورة بصرية جديدة. ولهذا أكد الفيلسوف الألماني فردرِك شِلر أن الفن يمثل مساحة يتصالح فيها الإنسان مع ذاته ومجتمعه عبر التجربة الجمالية، فيما رأى جون ديوي الأمريكي أن الفن ليس شيئاً منفصلاً عن الحياة، بل هو خبرة إنسانية تتشكل داخل النسيج الاجتماعي والثقافي.ومن هذا المنطلق تبرز الصورة بوصفها أحد أهم تجليات الثقافة الإنسانية. فالصورة ليست مجرد تمثيل بصري للأشياء، بل هي نظام معرفي وثقافي يحمل قيماً ورموزاً ودلالات تتجاوز حدود الشكل الظاهر. وقد أشار الناقد الفرنسي رولان بارت إلى أن الصورة لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد إنتاجه وفق منظومة من المعاني الثقافية والرمزية، ولذلك فإن قراءة الصورة هي في جوهرها قراءة للمجتمع الذي أنتجها.إن ثقافة الصورة في الواقع مرآة عاكسة للبنية الاجتماعية بكل ما تحمله من موروثات وعادات وتقاليد وقيم جمالية ورؤى حضارية. فالفنون الشعبية، والعمارة، والزخارف، والملابس، والاحتفالات، وحتى التفاصيل اليومية الصغيرة، تتحول مع الزمن إلى مخزون بصري يشكل الذاكرة الجمعية للأمم. ومن هنا تصبح الصورة سجلاً حضارياً يوثق تحولات المجتمع ويكشف عن مستويات وعيه وتطوره.وقد عبّر المؤرخ الفني إرنست قومبريتش عن هذه الفكرة حين أكد: أن الإنسان لا يرى العالم بعينيه فقط، بل من خلال ما تعلمه ثقافياً عن العالم. فالرؤية ذاتها عملية ثقافية، والصورة ليست انعكاساً محايداً للواقع وإنما تفسير له. ولذلك تختلف الصور باختلاف الثقافات والحضارات رغم تشابه الموضوعات أحياناً.ولعل أهمية التثقيف البصري اليوم تتجاوز مجرد التعريف بالفنون أو تنمية التذوق الجمالي، إذ أصبحت الصورة إحدى القوى المؤثرة في تشكيل الوعي الفردي والجمعي. فالمجتمعات المعاصرة تعيش ما يمكن وصفه بعصر الصورة، حيث تتدفق ملايين الصور يومياً عبر الشاشات والأفلام والمنصات الرقمية والألعاب ووسائل الإعلام. في هذا السياق تلفت الفلسفة المعاصرة بعد مقالات بحوث وكتب إمبرتو إيكو ونظرائه لفتوا الانتباه إلى أن المجتمعات الحديثة تحولت إلى مجتمعات الفُرجة، حيث أصبحت الصورة أحياناً بديلاً عن الواقع نفسه، ومصدراً لتشكيل الرأي العام والقيم الاجتماعية منذ القرن الماضي.ومن هنا تتضح خطورة الصورة وأهميتها التي تتعاظم كمياتها وتقنياتها في الوقت ذاته. فهي قادرة على التأثير في الإنسان وتعزيز الهوية الثقافية وحفظ الذاكرة التاريخية وترسيخ القيم الإنسانية والجمالية والتواصل الإنساني والحضاري، كما يمكن سلباً أن تتحول إلى أداة للتسطيح والتشويه الثقافي أو إعادة إنتاج الصور النمطية إذا غابت الرؤية النقدية والوعي البصري وتطوير الفنانين.لقد أثبتت صفحات التاريخ أن الصورة تشكل موسوعة بصرية متراكمة تستمد عناصرها من التراث والموروث الثقافي، ثم تعود من خلال الممارسة الفنية بخيال ووجدان وإبداع الفنان لتضيف إلى ذلك التراث طبقات جديدة من المعاني والخبرات. إنها عملية مستمرة من الأخذ والعطاء بين الماضي والحاضر، بين الفرد والجماعة، وبين الفنان والمجتمع والتاريخ. ولذلك لا يمكن النظر إلى الفن بوصفه ترفاً ثقافياً أو نشاطاً هامشياً، بل باعتباره أحد أهم أدوات قراءة صفحات التاريخ وبناء الوعي الحضاري وصياغة الهوية الثقافية.وكما قال الفنان العالمي الروسي الأصل فازلي كاندنسكي: كل عمل فني هو ابن عصره، وفي كثير من الأحيان يكون أمّاً لمشاعرنا. وهي مقولة تبيّن صورة المجتمع؛ فالصورة لا تعكس الثقافة فحسب، بل تسهم في صناعتها وتوجيهها وإعادة تشكيلها. ومن هنا فإن مستقبل المجتمعات لا يرتبط فقط بما تنتجه من علوم وتقنيات، بل أيضاً بما تصنعه من صور قادرة على التعبير عن إنسانيتها وصون ذاكرتها وصياغة رؤيتها للعالم.إن التحدي الحقيقي في زمن الفيض البصري ليس إنتاج المزيد من الصور، بل إنتاج صور ذات قيمة ثقافية ومعرفية وجمالية، قادرة على الارتقاء بالذائقة العامة وتعزيز التفكير النقدي وترسيخ الانتماء الحضاري. فالصورة التي تبني وعياً أجمل هي في النهاية صورة تبني مجتمعاً أكثر وعياً وقدرة على فهم ذاته ومستقبله.الأعمال من جميل إبداعات الفنان والقالريست المبدع El 3am Daniel والفنان الكبير البروفسير Ahmed Selim 💐#د.عصام العسيري#فينقيا التشكيلية#مجلة ايليت فوتو ارت.


