مقال مهم حول ازمة المعرفة في التعليم ،وجودة التفكير للتربوي الدكتور زكريا نمر.

أزمة المعرفة في التعليم الحديث.في العقود الأخيرة أصبح التعليم مجالا واسع الانتشار، وارتفع عدد الجامعات والخريجين بشكل كبير. لكن هذا التوسع لم يرافقه دائما تحسن مماثل في جودة التفكير أو القدرة على التحليل. لذلك ظهرت فجوة بين كثرة الشهادات ومستوى الفهم الفعلي.الشهادة العلمية في كثير من الحالات لم تعد تعني بالضرورة أن الشخص يفهم بشكل عميق، بل أصبحت في أحيان كثيرة دليلا على مستوى تعليمي رسمي أو موقع اجتماعي. هذا التحول جعل الشهادة أقرب إلى رمز اجتماعي منه إلى أداة لقياس المعرفة. يمكن النظر إلى هذا الوضع باعتباره نوعا من تضخم القيمة. فكلما زاد عدد الحاصلين على شهادات عالية، تقل القدرة على تمييز الفروق الحقيقية في مستوى الفهم. تصبح الشهادة موجودة بكثرة، لكن تأثيرها في تحديد الكفاءة يتراجع.النظام التعليمي نفسه يساهم في هذا الوضع. فهو في كثير من الأحيان يركز على الحفظ والامتحان أكثر من التركيز على التفكير والتحليل. الطالب يتعلم كيف يجيب على أسئلة محددة، لكنه لا يتدرب بشكل كاف على طرح الأسئلة أو تحليل المشكلات.مع الوقت يتكون نمط من التفكير يعتمد على إعادة المعلومات أكثر من إنتاجها. هذا النمط ينجح داخل النظام الدراسي، لكنه يضعف عند مواجهة الواقع، لأن الواقع لا يعمل وفق إجابات جاهزة.هناك أيضا فرق واضح بين المعرفة النظرية والقدرة على استخدامها. كثير من الخريجين يمتلكون معلومات جيدة، لكنهم يواجهون صعوبة في تطبيقها على مواقف جديدة أو معقدة.في سوق العمل، أصبحت الشهادة شرطا أساسيا للتوظيف في كثير من المجالات. هذا جعل الهدف من التعليم عند كثير من الناس هو الحصول على وظيفة، وليس بناء معرفة أو تطوير تفكير. بهذا الشكل تحولت الشهادة إلى وسيلة عبور اجتماعي أكثر من كونها هدفا معرفيا.المجتمع أيضا يلعب دورا في تعزيز هذا الوضع. فالشهادة تمنح صاحبها مكانة اجتماعية، حتى لو لم يكن مستوى تفكيره مختلفا بشكل كبير عن غيره. هذا يؤدي إلى الخلط بين المكانة الاجتماعية والكفاءة الفكرية.في هذه الحالة يصبح من الصعب نقد الأفكار بناء على محتواها فقط، لأن مكانة الشخص تؤثر على طريقة استقبال آرائه. وهذا يضعف النقاش العلمي أو النقدي.مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، زادت كمية المعلومات المتاحة بشكل كبير. لكن هذا لم يؤد بالضرورة إلى زيادة الفهم. على العكس، أصبح كثير من الناس يتعاملون مع معلومات كثيرة بشكل سريع وسطحي، دون تحليل أو ربط بينها. هذا يؤدي إلى شعور زائف بالمعرفة، حيث يعتقد الشخص أنه مطلع لأنه يتعرض لكم كبير من المحتوى، بينما هو في الواقع لا يعالج هذا المحتوى بشكل عميق.هناك أيضا جانب نفسي مهم. الشهادة تعطي شعورا بالإنجاز والاعتراف الاجتماعي، وهذا قد يكون أحيانا أهم من المعرفة نفسها عند بعض الأفراد. لذلك تصبح الشهادة هدفا بحد ذاتها.في بعض الحالات، يتحول التعليم إلى مسار للحصول على شهادة، وليس لتعلم مهارة التفكير أو الفهم. هذا يضعف دور التعليم كأداة لتطوير العقل.يمكن ملاحظة أن المشكلة ليست في وجود الشهادات، بل في الانفصال بين الشهادة والمعرفة الفعلية. عندما تصبح الشهادة مجرد وثيقة، وتفقد ارتباطها بالقدرة على التفكير، يظهر تضخم في عدد المؤهلات مقابل ضعف في جودة الفهم.النتيجة هي مجتمع يحتوي على عدد كبير من المتعلمين رسميا، لكن ليس بالضرورة متعلمين من حيث القدرة على التحليل والتفكير النقدي.#زكريا_نمر#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم