بقلم الباحثة / مي نعمان
الحب هو أجمل وأسمى العلاقات الإنسانية على الإطلاق، فلولا الحب لما قام المجتمع و لولاه لما تحملت الأم الكثير من أجل أبنائها ولم يتحمل الرجل الأعباء من أجل الأجتماع بمن يحبها ، ولم تتكون الصداقات الاجتماعية التي تعين الإنسان على الحياة ومواصلة العمل، حتى التعبد لله قائم على جناحين أحدهما المحبة لله ورجاء ثوابه والآخر الخوف منه وخشية عقابه ، وأيضاً حب المصرى لأرضه ووطنه مصر والذي عرفناه من قصة الجندى المصرى المخلص لوطنه”سنوهى”.
عرف المصرى القديم ذلك جيداً ونال الحب أهتمام عظيم من الملوك والشعراء ، ووصل إلينا من العديد من القصص الرائعة عن المحبوبين وكذلك الأشعار الجميلة التى عبًر بها المحب عن ما بداخله لمحبوبته ، وما صُور على جدران المعابد الملكية خير شاهد على علاقات الحب الملكية تمثل اخناتون وزوجته نفرتيتى ” نقوش وتماثيل كثيرة تعبر عن مدى المحبة بينهما ” وأيضاً رمسيس الثاني وزوجته الجميلة نفرتارى “جملته الشهيرة على جدران معبد أبو سمبل ” انت التى تشرق الشمس من أجلها”، وقصص حب الأفراد التي دونتها الأعمال الأدبية الجميلة والتى كتبها المصرى بأسلوب راقى وجميل ومنها بردية ” هاريس ، تورين ، شيستر بيتي ” وغيرها من النصوص التى تعكس عالماً مركزه دائرة الحبيب والحبيبة .
ومعظم تلك القصائد يخاطب فيها المحبوبان بعضهما بعض بكلمتى أخنى وأخى ” سن ، سنت ” أو بكلمة حبى ” مروت ” ويأتى هذا التعبير من التأثر بأشهر قصص الحب الإلهية ” أسطورة إيزيس وأوزوريس” والذى تزوج فيه الحبيب ” أوزوريس ” محبوبته و أخته ” إيزيس” وأنجبا ابنهما ” حورس ” الذى حكم مصر كفرعون .
وتعود ثنائية ” الحبيب والحبيبة ” غالباً إلى فكرة التوحد عبر الثنائية فى مصر القديمة مثل ثنائية الشمال والجنوب والأرضين وزهرتى اللوتس والبردى والشرق والغرب فيكون بذلك لقائهما سعياً الإنسجام والتوافق وإنهاء الاضطراب والتوتر الذي قد يصل إلى مرحلة ” مرض الحب ” والذى ورد ومازال يورد ذكره فى أشعار الحب حتى الآن ، وذلك المرض كثيراً ما نقابله في حكايات ألف ليله وليله والتى تتحدث عن عاشقين تنحل أجسامهم من أثر العشق دون الوصال.
وتدور أمانى العاشقين فى معظم تلك الشعار إلى الزواج ورغبة المحبين فى العيش سوياً إلى الأبد فتقول الحبيبة فى إحدى القصائد :
” أنت يا اكثر الرجال وسامة
إن رغبتي هى السهر على ممتلكاتك كربة بيت
وأن تستريح ذراعى فوق ذراعيك ”
ويدور بروتوكول الزواج إلى زيارة الحبيب إلى بيت حبيبته ثم تنتقل لتعيش معه فى بيته ، ويلعب الآباء والأمهات دور كبير فى التقريب بينهما ، فتقول إحدى القصائد:
” تعالى لأتملى من جمالك
سيفرح بك أبى وأمى
وسيهلهل لك كل أهلي
سيهللون لك يا حبيبى “
وفي هذه القصيدة إشارة الزواج الذى لم يرد إلينا أى صور عنه سوى أنه انتقال الحبيبة إلى بيت حبيبها وربما ” تهليل الأهل ” كان فى المعبد المحلى حيث يقدمون الذبائح والقرابين ويتلقون بركة الآلهة ”.
وعرف المصريون الإله “حتحور” كإله راعية للحب و المحبين وكذلك ورد ذكر ” ميهى” كثيراً فى قصائد وقصص الحب وربما كان ذلك ” كيوبيد المصرى ” وربما هو إله الحب أو شخصية رمزية من حكايات قديمة .
كما كان هناك إله راعية للحب كان هناك أيضاً رموز معادية للمحبين مثل ” التمساح ” وحش الماء الذى يفرق بين المحبين وعلى المحبوب عبور النهر وصولاً لمحبوبته على الضفة الأخرى بأمان .
وكان تشبيه للعاشق بالملك ورسول العاشق برسول الملك وجاء ذكر البلاد الأجنبية كمصدر للهدايا والعطور والأحجار الثمينة والتى لم تقتصر على النبلاء فقط بل كان المصري على وعي بها ومتاحة للجميع على الأقل فى الاغانى والقصائد.
ولعب ” السحر ” دوراً أيضاً فى تقريب المحبين أو إبعاد الشر ” التمساح ” حتى يستطيع المحبوب عبور النهر لحبيبته وانتشرت التعاويذ السحرية العديدة فى النصوص الخاصة بالحب مثل ” حجاب المحبة ” فجاءت نهاية بردية تورين معبرة عن هذا حيث تقول ”
” تعالى لتحتويه بالحب ….
دعه يمضي اليوم كله …
وقوى مخبأه …
وأحضرى الماء أمامى …
دعها تجلس مع حبيبها …
سر الحبيبة معى …
أنا كتومة ولا أحكى ما أراه ..”
وفى هذا إشارة إلى فعل يتحقق بالسحر
كما كانت هناك تعويذة بالفعل لإعداد ” شراب المحبة ” والتى تحتضر من كمية صغيرة من دماء إصبع البنصر باليد اليسرى والتى يُلبس فيها حتى الآن خاتم الزواج وكان يُسمى ” إصبع القلب ”
وأعتقد البعض أنها أستخدمت فى الطقوس الدينية أيضاً ، وليس غريب أن شعر الحب يدخل فى الطقوس الدينية فحديثاً عبر الشعر الصوفي في الثقافة العربية عن امتزاج الحدود بين العشاق والعشق والسعي إلى التوحد مع الذات الإلهية.
وكان للموسيقى دوراً هاماً أيضاً فى التعبير عن الحب وحالات العشق وارتبطت كذلك بالرقص وصاحبت الطقوس الدينية فى المعابد وخارجها .
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


