معجم المؤاكلة”: رصد الطعام العربي القديم عمر شبانة
منذ عنوان كتاب الباحث والروائي السوري الفلسطيني تيسير خلف “معجم المؤاكلة: في الطعام العربي القديم، وَصْفاته وأصنافه وآلاته وآدابه”، الكتاب الصادر حديثًا في مركز أبو ظبي للغة العربية في دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي، في 597 صفحة، يبدو الكتاب والمؤلف شديدَي الطموح، وذلك بدءًا بمفردة “معجم” وما تحيل عليه هذه المفردة من معانٍ ترتبط بعالم المعاجم والقواميس العريقة، وانتقالًا إلى مفردة “المؤاكلة” التي تأتي على صيغة “مفاعلة” المرتبطة وثيقًا، في هذا المقام، بالمشاركة في الأكل بين شخصين وأكثر، وهو يعني بالمؤاكلة كل ما يتعلّق بها من أسماء الطعام العربي القديم ووصْفاته وأصنافه وآلاته وآدابه.يبرز طموح المؤلّف وكتابه – معجمه هذا، منذ تمهيده، حيث يقرّ تيسير خلف أن هذا المعجم “يطمح لأن يكون مرجعًا معاصرًا في تراث المؤاكلة العربي، وما يرتبط به من طبيخ، وأشربة، وطيوب، وآداب عرفتها الحضارة العربية الإسلامية، منذ بدايات عصر التدوين، في صدر العصر العباسي، وحتى نهايات الحقبة المملوكية الثانية”، ويضيف خلف أن معجمه “ليس معجمًا يتقصَّى تأثيل الأسماء، ونحوها، وصرفها، وإن كانت اللغة بوجوهها المختلفة أحد مقاصده، بل هو معجم متخصص يسعى للإحاطة بمفردات المؤاكلة والطعام التي عرفها التأليف العربي، وعَرْضها في السياق الذي وردت فيه، سواء أكانت أدبًا من آداب المؤاكلة، أم صفة طبيخ، أم طريقة عمل كامخ، أو إدام، أو صلص، أو شراب”. عصر الرشيد وأبنائهوكما يرصد الباحث، أي باحث، معالم معينة من الحضارة العربية الإسلامية، يرصد تيسير خلف التحوّلات في ما يمكن تسميته “المطبخ العربي”، بعد انتقاله من مرحلة “الزاد”، أيْ طعام الخيمة أو القافلة، إلى مرحلة الموائد العامرة في العصرين الأموي والعباسي. وبحسب المؤلف، كان من جملة مظاهر هذه الحضارة مطبخ شديد التنوع، بل هو الأكثر تنوعًا عبر التاريخ، فكان من الطبيعي أن يظهر في بغداد، في عصورها الذهبية، نوع جديد من التأليف؛ يختص بأصناف الطعام، وصفاتها، ومكوناتها، ومقاديرها، وطرائق عملها، نظرًا لأن حركة التصنيف التي شملت كل شيء يمكن الكتابة عنه، وانتقلت من بغداد إلى دمشق ثم القاهرة وإلى المغرب والأندلس، حتى بلغت الكتب والرسائل المؤلفة في هذا الفن العشرات، وربما المئات، ولكن – ولشديد الأسف، كما يردد المؤلف – لم يصلنا منها إلا القليل بعد ضياع واحتراق الجزء الأكبر من مكتبات الفاطميين والعباسيين والأندلسيين، بعد أن كان هذا الفن قد انتقل إلى مختلف المراكز الحضارية العربية الإسلامية.ويذكر تيسير خلف أن ابن النديم، وحده، وهو المتوفّى عام 384 هجري/ 994 م، عدّد في كتابه “الفهرست” تسعة كتب في فن “الطُّباخة” تمّ تأليفها في بغداد وحدها، وعلى رأس هذه المؤلّفات والمؤلّفين أبو بكر الرّازي، الذي يذكره ابن النديم هنا، وهو طبيب فائق الشهرة، توفي عام 310 هجري/ 923 م، وله بالإضافة إلى كتابه “كتاب الطبيخ”، المفقود حاليًا، كتاب “أطعمة المرضى”، وكتاب “الحاوي في الطب” الذي ذكر فيه الكثير من الأغذية وخصائصها، ومنافعها، واستعمالاتها المختلفة لعلاج الأمراض. ومن المشاهير يذكر ابن النديم كتابًا في الطبيخ للصُّولي، والصولي هو أبو إسحاق، إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الكاتب، المتوفّى عام 335 هجري/ 946 ميلادي، أحد البلغاء والشعراء الفصحاء. كما يذكر تيسير أن كتاب “الطبيخ” لإبراهيم بن المهدي، المتوفى سنة 224 هجرية/ 839 ميلادية، أجود هذه الكتب. وأن إبراهيم هذا هو شقيق الخليفة هارون الرشيد، بويع بالخلافة في زمن المأمون، وهو بالإضافة إلى اهتمامه بفن الطبخ، عُرف بفنون الغناء والنغم والإيقاع. وله مع إسحق الموصلي مجادلات كثيرة في أصول النغم والإيقاع.ويأخذ تيسير خلف على ابن النديم أنه لا يذكر في حديثه هذا كتاب أبي المظفر، ابن نصر، بن سيار البغدادي الوراق “كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات، مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب”، على الرغم من أهميته البالغة، ربما لأن ابن نصر بن سيار لم ينهِ كتابه في حياة ابن النديم. ولا ينسى تيسير خلف أن يربط كل نسخة من نسخ كتب الطبيخ بعدد من الخلفاء العباسيين، كنسخة المأمون، ونسخة الخليفة المعتصم، ونسخة الخليفة الواثق، ونسخة الخليفة المعتمد، وغيرهم. ويمكن أيضًا ملاحظة أن الكثير من “الوجبات” ترتبط بأسماء خلفاء: المعتمد، الواثق، والمتوكل وسواهم. بل إن ثمة في باب العين أكلة بعنوان “عصيدة الخلفاء”.”يطمح هذا المعجم لأن يكون مرجعًا معاصرًا في تراث المؤاكلة العربي، وما يرتبط به من طبيخ وأشربة وطيوب وآداب عرفتها الحضارة العربية الإسلامية”وإذ يعيد مؤلف المعجم أسماء بعض المطابخ لمدن أو دول، فهو يذكر المطبخ المصري والمطبخ الأندلسي والمطبخ الحلبي. وعن هذا الأخير يقول: “ومن حلب، في واحدة من أزهى حقبها، يصلنا كتاب ’الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب’ للوزير المؤرخ عمر بن أحمد، الشهير باسم ابن العديم المتوفى عام 660 هجري/ 1261 ميلادي. وهو كتاب لا يختص بأطايب الطعام فقط، بل يتعداها إلى العطور وأشنان الاستحمام والتطيب، وطرق تحضيرها وخلائطها العجيبة. وميزة هذا الكتاب أنه عكس المناخ الحضاري المتنوع الذي كانت تعيشه مدينة حلب في ذلك الوقت، بوصفها مدينة المصبّ في “طريق الحرير”، أهم طرق التجارة العالمية في تلك الأزمنة”.الكرم والشعرويربط المؤلف، في مقدمته المطوّلة نسبيًّا، بين “المؤاكلة” كمصدر للفعل “آكل”، وبين الكرم العربي، ويربطه تحديدًا بحاتم الطائيّ، المعروف بالكرم، وإلى ذلك فهو – حاتم – القائل:إِذا ما صنَعتِ الزاد، فَالْتَمِسيِ لَهُ أَكِيلًا فَإِنِّي لَستُ آكله وحدِيولأن إكرام الضيف من شرف المُضيف في أعراف العرب المقدسة، تجد الشاعر المخضرم كعب بن سعد الغَنَوي يقول:وزادٍ رفَعتُ الكَفَّ عنْه عفَافَةً لأُوثِر في زادِي عليَ أَكِيليِوبخصوص مصادر المؤلف ومراجعه التي استند إليها في إنجاز هذا المعجم، فهي كثيرة، يبلغ تعدادها ما يقارب خمس الصفحات من الكتاب، وهي تشمل الكتب العربية المحققة، والمخطوطات المختصة بفنون الطبيخ وإعداد الموائد، والمؤلَّفة في العواصم الثقافية العربية، من بغداد إلى إشبيلية، وما بينهما؛ يضاف إليها ما جاء عن موضوع بحثنا في كتب التاريخ، والتراجم، والأدب، ومعاجم اللغة وقواميسها. والملاحظ في مجال الكتب المحقّقة، أن معظم المحقّقين هم من الأجانب، وندر ما نجد اسمًا عربيًّا بين المحقّقين!ألف باء ومكوّناتها هذا الكتاب – المعجم الذي ربما يكون غير مسبوق في مجاله، في عصرنا وزماننا، لجهة دقته وسعة اطّلاعه في البحث، يعتمد نظام الألفباء (أ، ب، ت، ث… ي)، يتكوّن من تمهيد ومقدمة ومواد الطعام والشراب كما ورد في التمهيد، وثلاثة ملاحق هي: “مفردات الطعام الغريبة الواردة في الكتاب ومعانيها”، و”أواني وآلات الطعام الواردة في الكتاب ومعانيها”، و”الأوزان والمكاييل وهي: ما دون الحبّة وما فوق الحبّة، والدّرهم وما فوقه، والرّطل وما فوقه”. بهذه المكوّنات كلّها يكتسب المعجم – الكتاب معنى فرادته. ولا بد من ذكر ما أورده المؤلف من أن “الاهتمام بهذا النوع من التآليف بدأ في أواسط القرن العشرين، مع صدور طبعة محققة من ’كتاب الطبيخ’ لابن الكريم البغدادي عام 1934 في مدينة الموصل، على يد العلاَّمة العراقي داود جلبي”.وعلى أهميّة الملاحق الثلاثة، فإنّ أهمّها هو الملحق المتعلق بـ”مفردات الطعام الغريبة الواردة في الكتاب – المعجم، ومعانيها”، حيث إن من أشدّ الأمور لفتًا للانتباه فيه هو الحضور القويّ للأسماء غير العربية، أي الأجنبية المعرّبة، وربّما يعود كثير منها إلى الفارسية، فما سبب هذا الحضور رغم أن مقابلها العربي متاحٌ، بل موفورٌ؟ إننا نستطيع تلمّس هذه الظاهرة في كتاب الإسلام والمسلمين (القرآن)، حيث تشيع فيه مثل هذه المفردات ذات الأصول الأجنبية، وخصوصًا الفارسية.أما المؤلف تيسير خلف فهو يفسّر ذلك بـ”قرب بغداد من بلاد فارس أولًا، ولأن معظم الطباخين والعاملين في خدمة القصور في العصر العباسي الأول كانوا من الفرس غير المتضلعين بالعربية. وهذه التسميات الفارسية المعرَّبة التي نقرأها في معظم المصادر، حتى في كتب الأندلس، انتقلت كما هي إلى مختلف الأنحاء، نتيجة القوة الحضارية لبغداد، بوصفها عاصمة الثقافة العربية الإسلامية لقرون طويلة، وبلا منازع”. لكنه، فوق ذلك، يرى في هذه الظاهرة ميزة أظهرت وتُظهر قدرة اللغة العربية على استيعاب الجديد وهضمه وإدخاله في منظومتها الاصطلاحية.كما يصطدم قارئ المعجم بظاهرة يدعوها المؤلف بـ”قدرة العربية على توليد المعاني المرتبطة بألوان الأطعمة”، ورغم اعتبارها من الطرائف، يورد مقطعًا من نص كتبه أبو الحسن المصري الجزار في كتابه “فوائد الموائد” وممّا جاء فيه: “الحمد لله الذي تَيَّن فَوزَّرَ، وعَنَّب فَرَزَقَ، ورطَّب فَسَكَّر، وخَوَّخَ فَشَطَّبَ، وكَمثَرَ فَسحْبَنَ، ومَشْمَش فَصَفَّر، وبطَّخَ فعَبْدَلَ، وتَفَّحَ فَعَطَّرَ، وموَّزَ فَأَنضَج، ودقَّقَ فحوَّرَ، وجَرْدَقَ فسمَّد، وبَوْرَدَ فكثَّر، وسَكْرَجَ فلوَّنَ، ومَلَّحَ فَطَيَّب، وخلَّل فسَفْتَجَ… إلخ”. على سبيل المثال بما أن المعجم يعتمد نظام الألفباء، ما يعني أن ثمة محتوى يشمل 28 حرفًا، وكل حرف له باب يشمل مجموعة من الأطعمة وتفاصيلها، ما يجعل تناولها جميعًا أمرًا صعبًا، وكل ما يمكننا القيام به هي بعض المعلومات والملاحظات السابقة، وسأسمح لنفسي بأن أختار هنا مثالًا واحدًا يدلل على منهجية بناء المعجم بأبوابه وفصوله، وسيكون المثال من (باب الألف)، ومن إحدى تلك الوصفات:باب الألف: إبراهيميّة (صفة أندلسية): تأخذ دجاجة أو لحم خروف وتنظّف الدجاجة وتقطّع صغارًا من كلّ عضو اثنين، وتطرح في قدر ويصبّ عليها مغرفة زيت ومغرفة خلّ ثقيف، وخمس مغارف من شراب ورد سكّري وفلفل وزعفران وكزبرة وملح ويسير بصلة، وترفع على نار لينة حتّى تنضج، فينثر عليها لوز مقشور مقسوم وفستق وسنبل وقرنفل، ويحلّ شيء من غبار الحواري في صحفة بماء ورد، وقد يفتق بشيء من كافور محلول في ماء الورد، ويضرب بأربع من البيض يحمّر به القدر، ويُترك على الوصف حتّى يخرج وَدَكَهُ، ويستعمل إن شاء الله تعالى.. # ضفة ثالثة # مجلة ايليت فوتو ارت.


