مشاعر لا تموت .. الفن المصري بين الماضي والحاضر

دينا أبو شادي

الفن كالمرآة : لغة المشاعر الخالدة

في مصر القديمه لم يكن الفن مجرد زخرفه او شكل جمالي، بل كان وسيله لتوثيق المشاعر الإنسانية ليتم تخليدها، الحب، الفرح الحزن ،الفخر و الأمل ، على جدران المعابد والمقابر نجد مشاهد العائلات ..الازواج و الاطفال، حتى الحيوانات الاليفه لتوثق اهمية المشاعر في الحياه و العلاقات .

اما المشاهد الجنائزية مثل تلك الموجوده في مقبرة رعموزا التي تنقل لنا مشاعر النائحين و تقديم القرابين لضمن الحياه اخرى له و للاحبه، وفي كل لون ينقل احساسي كالأسود الذي يدل على الموت و الخصوبة في آن واحد ، و الأحمر الذي يمثل الطاقة و القوة و الفوضى أيضاً.

لم تُصور المشاعر على الجدران فقط بل التماثيل أيضا حيث أن المصري القديم نجح في تصوير حب الزوج لزوجته كتمثال امنحتب الثالث و الملكة تي ، ودعم الزوجة لإسرتها ك تمثال القزم سنب و عائلته ، وليس حب البشر فقط بل تماثيل الالهه وارتباطهم بهم كتمثال امنحتب الثاني مع المعبودة ميريت سجر التي كان تحمي المقابر وكأنها تقول اصمت فإذا ازعجت الملك سأنال منك! وهذا ليس مجرد وصف بل هذا معنى اسمها ” التي تحب الصمت” ممزوج ب دورها .

الفن المصري القديم كان يربط المشاعر بالحياه والكون لتصبح الاحاسيس باقيه على الحجر حتى الاحتفالات الدينيه مثل مهرجانات الاله امون تظهر الفرح الجماعي والتقديس المشترك للحياه والموت، لذلك يمكننا أن نقول ان المصري القديم اراد من خلال الفن ان يقول هذه حياتنا وهذه مشاعرنا وحبنا الذي لا يموت.

وجوه تتكلم عبر الزمن: من الرمزية للواقعية.

في عصور مصر اليونانية و الرومانية ، مصر غيرت اساليب التعبير الفني قليلا وخصوصا في مدينة الاسكندرية لأنها كانت العاصمة ف أصبحت متأثره بالفن اليوناني الخالص ، لكنها لم تفقد مشاعرها والعمق فيها، الفن اليوناني الروماني في مصر تم مزجه بين الواقعيه والتقليد المصري القديم ف أصبح بالإمكان رؤيه الحب العاطفي، الفخر و الحزن في وجه البشر مثل روائع الفن المصري “بورتريهات الفيوم” الواقعيه التي تصور الاشخاص بعين حيه وتعابير صادقه وكأنهم يخاطبونها من الاف السنين.

أما عن المعابد المعابد الموجودة في الصعيد على الرغم من أنها بنيت في هذه الحقبة إلا أنها حافظت على التراث المصري الاصيل مع لمسه بطلمية رومانية ،التي تعكس احترام المصريين للتقاليد و تقبل الثقافة الأخرى.

مع تصوير اعمق للعواطف البشريه ك الحروب والانتصارات التي صورت بشكل مذهل على جدران معبد ادفو و كوم امبو التي بثت لنا الحرب الشهيرة بين حورس و ست بطريقه تظهر الفخر والشجاعه، فالمصريين حافظوا على قدرتهم على التعبير العاطفي رغم الانصهار مع ثقافه غريبه فظل الفن مرآة للمشاعر اليومية و الروحية التي تتحدى الزمن وتتكيف مع كل حضاره جديده.
 
بين الأرض والسماء : الفن طريق إلى الروح

مع انتشار المسيحيه في مصر اصبح الفن وسيله لتوصيل الحب و الإيمان والامل ، و الايقونات المليئة بالرموز التي تتحدث مع جميع الفئات ، بل أيضا سنجد في بعض الكنائس القبطية مثل الكنيسه المعلقه في القاهره استخدمت الفسيفساء والايقونات لتجسيد القصص الدينيه والقديسين مع التركيز على الوجوه والتعابير التي تنقل مشاعر الحزن، الإيمان والرحمه.

يتميز الفن القبطي بتصوير الالوان الزاهيه والرموز التي تعكس الأحداث وقتها ، كذلك الحزن على فقد من دافعوا عن المسيحية حتى آخر قطرة دم، حيث تنقل المشاهد الألم والأمل معاً وكأنها تقول الحياه والموت جزء من رحله اعمق، و البيزنطيون اضافوا تأثيرهم على الفن خاصه في استخدام الرموز الذهبيه والخلفيات المزخرفه لتكريم الشخصيات المقدسة وتأكيد ان المشاعر الانسانيه سواء فرح او حزن يجب ان تخلط بطريقه ساميه، يمكن القول ان هذه المرحله جعلت الفنان جسرا بين ايمان الإنسان و قلبه.

جمال بلا صور: من التراث إلى التعبير الحر.

مع الفتح الاسلامي تحول الفن المصري نحو الزخارف الهندسية والخط العربي بدل من تصوير البشر للدمج ما بين الانتماء للمجتمع والدين، الفن الاسلامي خصوصاً الفاطمي و المملوكي التي كان يعتز بالهوية المصرية اعتمد على اشكال الهندسيه الحيوانية المتناسقة، حيث اصبح التعبير عن الجمال والروحانيات يتم عبر التوازن بين الخطوط العربية الرشيقه الجماليه.

واثبت الفن في هذا العصر انه يمكنك ان تعبر عن مشاعرك و انتماء و فخر بلا تصوير بشري ، اما في عصرنا الحديث أصبح الفن اكثر حيويه ويواكب العصر كلوحات محمود سعيد وطه حليم والسينما المصريه التي نقلت المشاعر بأسلوب معاصر، ايضا المباني و المعمار الحديث يعكس الانتماء للهويه المصريه بالتزامن مع المسارح والفن الشعبي الذي حول المشاعر اليوميه لأعمال يمكن للجميع التعاطف معها، يمكن ان نقول أن مصر المعاصره لا تزال تخلد مشاعرها كما فعل الاجداد ولكن باسلوب حديث يتناسب مع العصر وهذا يثبت ان المشاعر الانسانيه خالده و متجدده عبر الزمن.

******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم