
بدوي الجبل: شاعر الجبل والسياسة… سيرة ونماذج من شعره”
في رحاب جبال اللاذقية، وتحديداً في قرية ديفة (أو ديفه) التابعة لمنطقة الحفة في محافظة اللاذقية وُلد شاعرٌ جبلَ على الفصاحة منذ نعومة أظفاره، فكان بدوي الجبل (1907-1981) أو محمد سليمان الأحمد، ذلك الألق الذي سيبقى طويلاً في ذاكرة الشعر العربي الحديث. نشأ في بيت علم ودين، فحفظ القرآن وتعمق في التراث على يد والده، لكنه لم يكتفِ بالعلم وحده، بل مزج بين السياسة والشعر، فشارك في الثورات ضد الفرنسيين منذ شبابه، وسجن ولاحقته سلطات الانتداب، ثم عمل بالتدريس في العراق، وعاد ليتولى الوزارة والنيابة في سوريا، فكان شاعراً وسياسياً في آن، يحمل الهمَّ الوطني بين ضلوعه كما يحمل القصيدة بين دفتي ديوانه.
عُرف بمعاداته للفكر الاشتراكي وانتقاده الحاد للوحدة مع مصر، مما دفعه للجوء إلى سويسرا حيث أمضى سنوات عزلته الطويلة، وهناك كتب أروع قصائده. ينتمي شعره إلى مدرسة الإحياء الكلاسيكية، محافظاً على عمود الشعر التقليدي، لكنه استطاع أن يصبغ قصائده بروح عصرية تمتزج فيها التجربة السياسية بالوجدان الصوفي والهواجس الوجودية. تميز شعره بجزالة اللغة، ودقة الصور، ومسحة من الكآبة والحزن النبيل.
ومن بديع شعره، نقتطف هذه الأبيات الخالدة:
في قصيدته “قد نبا مضجعي” يخاطب بلبلاً ويشكو جفاء قومه:
قد نبا مضجعي لورقاءَ غنَّت سحراً فوق فرعها المياد
أنت مثلي حزينةُ القلب لكن بَعُدَ الفرقُ بين باكٍ وشاد
ما صفا لي ودادُ قومي يوماً غيرَ أني صفا لقومي ودادي
وفي رائعته “البلبل الغريب” التي أهداها لحفيده، نلمس فلسفة الحزن وأدب الطفولة:
سَلي الجَمرَ هل غالى وجُنَّ وعَذَّبا كفرتُ به حتى يَشوقَ ويَعذُبا
ويا ربِّ من أجلِ الطفولةِ وحدَها أَفِضْ بركاتِ السلمِ شرقاً ومغربا
وصُنْ ضِحكةَ الأطفالِ يا ربِّ إنها إذا غَرَّدتْ في مُوحِشِ الرملِ أعشَبا
وفي قصيدته “من وحي الهزيمة” بعد نكسة حزيران:
رملُ سيناء قبرنا المحفورُ وعَلى القبرِ أنكرٌ ونكيرُ
كبرياء الصحراء مَرَّغَها الذلُّ فغاب الضحى وغار الزئيرُ
صدر له “ديوان بدوي الجبل” الذي ضم معظم أعماله، وتوفي عام 1981 مخلفاً إرثاً شعرياً جعله في مصاف كبار شعراء العربية، واصفة إياه الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي بأنه “واحد من أعظم شعراء المدرسة القديمة”.
سوريات_souriat
***&***
قامة فكرية وسياسية من قامات العلويين
بدوي الجبل.. متنبي القرن العشرين (1903 – 1981)
أ. فلك حصرية
محمد سليمان الأحمد أحد أهم أعلام الشعر العربي في القرن العشرين، ولد في قرية (ديفة) بمحافظة اللاذقية في العام 1903. والده الشيخ سليمان الأحمد (عضو مجمع اللغة العربية بدمشق) ورغم أن البدوي عرف كرجل سياسة ومناضل، إلا أن خلوده الحقيقي كان من خلال نتاجه الأدبي، وقد وصفه “نزار قباني” بـ “السيف اليماني” المعلّق على صدر الأمة في حين وصفه “محمد مهدي الجواهري” بالشاعر الذي يحسب له ألف حساب، بينما قال “أدونيس”: بدوي الجبل آخر الشعراء الكلاسيكيين الكبار.
تتلمذ الكبير “بدوي الجبل” على يد والده الشيخ، الأمر الذي زاد في ثقافته، وسعة اطلاعه، وحبه للغة العربية والثقافة والأدب إضافة إلى اطلاعه على عالم المعرفة والعلم، حتى إذا ما بلغ الحادية عشرة من عمره سجله والده في مدرسة إعدادية بمدينة “اللاذقية” ليلتحق بعد ذلك بمددرسة مكتب “عنبر” بدمشق وليبدأ بنظم الشعر.
بعد احتلال سورية من قبل الاستعمار الفرنسي عقب الحرب العالمية الأولى انخرط شاعرنا العظيم في المقاومة والسياسة على الرغم من سنه الصغير وقد اضطر إلى مغادرة الوطن نتيجة ملاحقة الفرنسيين ومطاردتهم له فتنقل بين عدة دول عربية شقيقة: العراق، والأردن، ولبنان، حتى إذا ما عاد إلى أرض سورية الغالية في العام 1936 تم اعتقاله وسجنه بتهمة ممارساته المعادية وكراهيته للاحتلال الفرنسي البغيض.
والواقع أن البدوي – رغم صغر سنه – انضم إلى ثورة الشيخ صالح العلي المناضل والثوري والبطل الذي قاد النضال والثورة ضد الفرنسيين في جبال الساحل السوري، وقد قاتل البدوي معه، كما عمل وسيطاً بين الشيخ صالح، وبين ملك سورية وقتها “فيصل الأول” وشارك في العام 1925 في الثورة السورية الكبرى فترأس مجموعة من الثوار مخصصة للهجوم على نقاط التفتيش التابعة للاحتلال الفرنسي. هذا وقد تم انتخابه في العام 1943 عضواً في مجلس الشعب، وكان عضواً في الكتلة الوطنية التي طالبت بوحدة الأراضي السورية واستقلالها، وليعاد انتخابه مرتين (1947 – 1949) وتم تعيينه وزيراً للصحة (1954) وانتخب وزيراً للدعاية والأنباء (1955 – 1956).
استطاع بدوي الجبل أن يغني الأدب العربي بنوع من الشعر الكلاسيكي وقد استطاع من خلاله تحقيق التوازن فيما بين الخيال والفكرة وقد ضم شعره الألوان الشعرية كافة: الهجاء، والرثاء، والغزل، وقد حمل بعضها طابع الصوفية والسياسة.
يقول بدوي الجبل في قصيدته أهوى الشَّام:
| قِـف بالـشَّـآم مـسـائلًا آثارَهـــا | مرحــى لمــن أمَّ الشـــآمَ وزارهــــا |
| أهوى أزاهرها…. أحــنُّ لعهـدِهــا | أشتــاق بلبلهــا، أُحــبُّ هـزارَهــا |
| قضـيـتُ أيـــامي القِصـــارَ بظــلِّهــا | جـــاءت مـــدامع مقلتيَّ قصــارَها |
| أفـــدي مهفهفــةَ القـــوامِ أســيرةً | تشكـو القـيـود فمـن يفـكُّ إسـارَها |
| غَـلُّـوا الأســودَ الصَّيدَ مـن أبطالهـا | في الغــوطتينِ وحجَّبــوا أقمــارَها |
| وكســوا مناكبهـــا فــلا أُنـجــادهــا | تركـــوا لـقاطنـهــا ولا أُغـــوارَهـــا |
لقد أفاد البدوي مناخ دمشق الصحفي في أثناء إقامته فيها خلال عشرينات القرن العشرين، وقد كان يغلي بالمطبوعات الثقافية والفكرية والإبداعية، وكان المثقفون ينشرون قصائدهم في صحيفة “ألف باء” فكتب شاعرنا القامة عن موت المناضل الأيرلندي “ماك سويني” مضرباً عن الطعام مدة أربعة وسبعين يوماً احتجاجاً على الاحتلال البريطاني لأيرلندا، فما كان من “يوسف العيسى” صاحب الصحيفة إلا أن يخترع للشاب لقب “بدوي الجبل” دون علمه، وعندما تساءل عن الأمر قال له العيسى:
“إن الناس يقرؤون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم على أن يقرؤوا الشعر للشعر، وأن يتساءلوا من ذا يكون هذا الشاعر المجيد؟! وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت تلبس العباءة، وتعتمر العقال المقصب، وأنت ابن جبل إذاً فأنت بدوي الجبل”.
أصدر البدوي ديوانه الأول في العام 1925 تحت عنوان “البواكير” وصدره بكلماته التالية:
“إلى الشهيد الراقد في ميسلون.. إلى تلك الروح الكبيرة التي تمردت على العبودية، وعلى الحياة”.
وهو ـ بالطبع ـ إنما يقصد الشهيد بطل ميسلون يوسف العظمة.
فتمت مصادرة الديوان، وإتلافه، وكانت مقدمة الديوان قد كتبها كبار أعضاء المجمع العلمي بدمشق، ومنهم “محمد كرد علي، عبد القادر المغربي، خليل مردم بك”.
يقول فيه الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل: “بدوي الجبل أحد قلائد الشعر في الدنيا”، وكما ذكرنا – سابقاً – يقول فيه الشاعر الكبير نزار قباني: “بدوي الجبل السيف اليماني الوحيد المعلق على جدار الشعر العربي، في حنجرته ألف لبيد، وألف شريف رضي وألف أبي تمام” أما شاعر العراق الرائد “عبد الوهاب البياتي” فيقول فيه: “من يكتب الشعر بعد بدوي الجبل سنرميه بحجر”.
وينبري – الناقد والأديب المصري الكبير “عباس محمود العقاد” فيكتب عن شعره قائلاً: “إن شعر البدوي يطلع من أعماق نفس القائل، ليرتد إلى أعماق نفس السامع، لا ليروي طريفاً، أو يثير انفعالاً بل ليستقر ويحفظ بعد الإلقاء الأول، كل هذا أناقة مترفة”، وكذلك لا ننسى قول الكبير الجواهري في البدوي “أكبر شاعر عرف في هذا العصر بدوي الجبل، وشاعر آخر” هو يقصد بالآخر نفسه.
ويرحل البدوي عن عمر يتجاوز الثامنة والسبعين عاماً لتبقى “دمشق” تحمل إليه الكثير، وتعني له الأكثر:
| لا الغوطتـــانِ ولا الشـــبابُ | أدعـــو هــوايَ فــــلا أجـــابُ |
| أيـــن الشَّـــآمُ من البُخَيْــرَةِ | والمــــآذنُ والقِـبَـــــــــابُ |
| وقبــــورُ إخــواني ومــا أبقــى | مـــن السُّـيــوفِ الضِّــــرابُ |
| أشتـــاقُ أحضُــنُها وأثْـثِـمُهـا | ولِـــلـــدمـــعِ انْسِــــــــكابُ |
| يــا شـــام يــا لــذَّةَ الخــلودِ | وضَــمَّ مَـجْــدِكُــمـا انتســـابُ |
| مــن لـــي بِـثَــــرْرٍ من ثَــرَاكِ | وقــد أَلَـــحَّ بــيَ اغْـتِـــــرابُ |
رحم الله الشاعر البدوي، ففي شعره تتجلى الجزالة، وروعة الأداء، وجموح الخيال، وسلامة التعبير، ومتانة اللغة، ورقة العاطفة، وهو تجري في شرايين إبداعه الشعري دماء فحول الشعراء العظماء القدامى الذين تأثر بشعرهم ومنهم: المتنبي، ومهيار الديلمي، وأبو فراس الحمداني، والشريف الرضي، والبحتري وهنا لا يفوتنا قلادة للبدوي، تُعدّ من أجمل قصائد الشعر العربي وأصدقها، وقد خاطب فيها براءة الأطفال، وقد أهداها إلى فلذة كبده “محمد” الذي اغترب عنه قسراً عليه:
| ووسـيماً من الأطفالِ لولاه لم أُخِـفْ | علـى الشيبِ أن أنأى وأن أتغـربا |
| تــود النـجومُ الزهــرُ لـو أنهـا دمــى | ليخـتـــار منهـــا المـترفــاتِ ويلعـبا |
| وعنـدي كنــوزٌ مـن حـنـانٍ ورحـمــةٍ | نعيـمـيَ أن يغــرى بهــنَّ وينهـبا |
| يجــورُ وبـعـضُ الجــورِ حلـوٌ محـبَّبٌ | ولـم أرَ قبـلَ الطفــلِ ظالمـاً محبَّـبا |
ويتابع في إبداع قصيدته:
| ويــا ربِّ مــن أجــلِ الطفــولـةِ وحــدهـا | أفضْ بركاتِ السلْمِ شرقاً ومغـربا |
| وصــنْ ضحـكـةَ الأطفـالِ يـا ربِّ إنهــا | إذا غــرَّدت في موحشِ الرملِ أعشـبا |
| ويــا ربِّ حـبِّــبْ كــلَّ طفــلٍ فــــلا يـــرى | وإن لــجَّ في الإعـنـاتِ وجـهـاً مقطَّبا |
| وهــبْ لــه فــي كــلِّ قلــبٍ صبــابــةً | وفــي كــلِّ لُقـيـا مرحبـاً ثـمَّ مرحبـا |
قصيدة من أجمل قصائد الغزل في الشعر العربي الحديث التي غنتّها السيدة فيروز للشاعر الكبير المرحوم بدوي الجبل
( خالقة ) قصيدة
من نعمياتك لي ألف منوّعة
وكلّ واحدة دنيا من النورِ
رفعتني بجناحي قدرة و هوى
لعالم من رؤى عينيك مسحورِ
تعبّ من حسنه عيني فإن سكرت
أغفت على سندسيّ من أساطيرِ
أخادع النّوم إشفاقا على حلم
حان على الشفة اللمياء مخمورِ
وزار طيفك أجفاني فعطّرها
يا للطيوف الغريرات المعاطيرِ
طيوبها في زيارات الرؤى نزلت
من مقلتيّ على أصفى القواريرِ
كأنّ همسك في ريّاه وشوشة
دار النسيم بها بين الأزاهيرِ
تندى البراءة فيه فهو منسكب
من لغو طفل و من تغريد عصفورِ
رشفت صوتك في قلبي معتّقة
لم تعتصر و ضياء غير منظورِ
لو كنت في جنّة الفردوس واحدة
من حورها لتجلىّ الله للحورِ
خلقتني من صبابات مدلهة
ظمأى الحنين إلى دلّ و تغريرِ
فكيف اغفلت قلبي من تجلّده
لمّا تولّيت أبداعي و تصويري ؟
و كيف تشكين من حبّي غوايته
وأنت كوّنت تفكيري و تعبيري
و هل تريدين روحي هدأة و ونى
فكيف أنشأت روحي من أعاصيرِ ؟
ألفت نفسي على ما صغت جوهرها
يا غربتي عند تحويري و تغييري !
كبّرت للطلعة النشوى أسبّحها
أكان لله أم للحسن تكبيري
يا طفلة الروح : حبّات القلوب فدى
ذنب لحسنك عند الله مغفورِ
آثامك الخفرات البيض لو جليت
لطور موسى لندّت ذروة الطورِ
كأنّها أقحوانات منضّرة
بمخضب عبق الريحان ممطرة
يا نجمة تختفي حينا و تشرق لي
حينا أفانين تعريف و تنكيرِ
لقد هجرت أخاك الفجر و انتبهت
شمس الصباح على أنّات مهجورِ
من موطن النّور هذا الحسن أعرفه
حلو الشمائل قدسيّ الأساريرِ
ففي السماء على مطلول زرقتها
أرى مساحب ذيل منك مجرورِ
لا تجزعي من مقادير مخبّأة
حنا يدلّلنا ظلم المقاديرِ
عندي كنوز حنان لا نفاد لها
أنهبتها كلّ مظلوم و مقهورِ
أعطي بذلّة محروم فوا لهفي
لسائل يغدق النعماء منهورِ
جواهري في العبير السكب مغفية
من الونى بعد تغليس و تهجيرِ
تاهت عن العنق الهاني فأرشدها
إلى سناه حنين النور للنورِ .
—- —
رحم الله شاعرنا الكبير وآطال الله بعمر الفنانة الكبيرة فيروز .
من صفحة عين على التراث


