مسيرة الموسوعي: نجاة قصاب حسن.. حين تحوّلت المحاماة إلى مشروع ثقافي عربي متكامل.

▪️ نجاة قصاب حسن حين تحوّلت المحاماة إلى مشروع ثقافي كامل

في تاريخ النخب السورية التي صنعت تأثيراً يتجاوز المهنة، يبرز اسم نجاة قصاب حسن بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات فرادةً في المشهد القانوني والثقافي خلال القرن العشرين. لم يكن محامياً تقليدياً يكتفي بالمرافعات داخل المحاكم، بل مثقفاً موسوعياً رأى في القانون جزءاً من معركة الوعي الاجتماعي، وفي الثقافة امتداداً لفكرة العدالة نفسها. ولد في دمشق عام 1920 وعاش فيها حتى وفاته عام 1997، وسط مرحلة سورية مزدحمة بالتحولات السياسية والفكرية، فكان شاهداً ومشاركاً في آن واحد. ينحدر من عائلة ذات أصول كردية تعود إلى منطقة قطنا بريف دمشق، وقد تشكل وعيه المبكر داخل بيئة شامية اختلطت فيها السياسة بالفن والتعليم بالحياة اليومية.
درس الحقوق في جامعة دمشق بعد مرحلة تعليمية في “دار المعلمين”، غير أن تكوينه الحقيقي لم يكن أكاديمياً فقط، بل جاء من انفتاحه الواسع على اغلب نواحي الثقافة. لذلك بدا مختلفاً عن صورة المحامي النمطية؛ فقد كان يؤمن بأن القانون الذي لا يلامس الإنسان يتحول إلى نص بارد بلا روح. هذه الفكرة ظهرت بوضوح في برنامجه الإذاعي الأشهر “المواطن والقانون”، الذي بدأه عام 1952 واستمر خمسةً وعشرين عاماً، ليصبح أحد أهم برامج التوعية القانونية في تاريخ الإعلام السوري، حيث نجح في تبسيط القضايا القانونية والاجتماعية بلغة قريبة من الناس، واضعاً العدالة في متناول المواطن العادي لا النخب فقط.
ولم يتوقف حضوره عند الإذاعة، بل انتقل إلى التلفزيون السوري عبر برامج مثل “محطات تلفزيونية” و”ومضات”، التي ناقش فيها العلاقة بين القانون والسلوك المدني والحياة اليومية، إضافة إلى برنامجه الثقافي “رحلة في الذاكرة” الذي استضاف خلاله نخبة الأدباء والمفكرين السوريين في تسعينيات القرن الماضي. وفي الصحافة كتب بروح دمشقية ساخرة وعميقة، بينما امتدت مواهبه إلى الشعر والموسيقى والرسم والكاريكاتير والتأليف المسرحي، ليصبح نموذجاً نادراً للمحامي الفنان؛ الرجل الذي جمع بين صرامة التشريع ومرونة الإبداع.
شارك نجاة قصاب حسن في النشاط السياسي خلال أربعينيات القرن الماضي، متأثراً بالأفكار الوطنية والتقدمية، كما انخرط في مبادرات تعليمية واجتماعية هدفت إلى نشر الوعي ومحو الأمية والدفاع عن الفقراء. وكان يرى أن المحامي لا يجب أن يكون موظفاً لدى القانون، بل ضميراً مجتمعياً قادراً على حماية الناس من الجهل والخوف والظلم معاً. وقد لخّص فلسفته الشخصية بعبارته الشهيرة: “أنا لا أريد أن أكون شيئاً واحداً، لأنني أريد أن أحيا”، وهي العبارة التي كتبها في مؤلفه “جيل الشجاعة”، رداً على من طالبوه بالتركيز على مجال واحد دون غيره.
ترك خلفه مجموعة من المؤلفات القانونية والأدبية والتوثيقية المهمة، أبرزها “حديث دمشقي” الذي يُعد من أكثر الكتب قرباً إلى روح دمشق وتحولاتها الاجتماعية والثقافية، إلى جانب أعمال مثل “الحبة والسنبلة” و”صانعو الجلاء في سورية”، إضافة إلى نصوص مسرحية وأعمال فنية متعددة. وبرحيله عام 1997، فقدت سوريا أحد آخر المثقفين الموسوعيين الذين استطاعوا تحويل المحاماة من مهنة إجرائية إلى رسالة معرفية وإنسانية وثقافية متكاملة.
……………………………….
▪️ المصادر:

  • #سائليني_ياشآم
  • كتاب “حديث دمشقي” – نجاة قصاب حسن
  • أرشيف الإذاعة السورية
  • أرشيف نقابة المحامين في دمشق
    تحرير : #سوريات_Souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم