مخرجون تترك أفلامهم أثراً،شادي عبد السلام عبقرية تؤهل لسينما ذات رؤية مختلفة.

💥 شادي عبد السلام .. «العبقرية الناقصة»كيف صنعت «المومياء» أسطورة صاحبها؟«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل هناك مخرجون تترك أفلامهم أثراً، ومخرجون يتركون وراءهم طريقة مختلفة لرؤية السينما.. شادي عبد السلام ينتمي إلى الفئة الثانية، رغم أن تجربته السينمائية تكاد تُختزل في فيلم روائي طويل واحد مكتمل. وهذه المفارقة هي أول ما يجعل تجربته جديرة بإعادة النظر بعد أربعين عاماً على رحيله في 8 أكتوبر 1986.لم يكن شادي غزير الإنتاج، ولم يخض سباق النجومية أو شباك التذاكر، ولم يترك مدرسة سينمائية بالمعنى التقليدي. لكنه فعل شيئاً أكثر صعوبة، صنع لنفسه منطقة جمالية وفكرية لا تشبه أحداً، حتى أصبح من الصعب وضعه داخل التيارات السائدة في السينما المصرية.كان يرى الصورة باعتبارها ذاكرة قبل أن تكون وسيلة للسرد. ومن هنا جاء اهتمامه بالعمارة والملابس والديكور والتكوين، وهي عناصر لم يتعامل معها بوصفها زينة للمشهد، بل باعتبارها جزءاً من معناه. في عالمه، يمكن لحجر أن يقول ما تعجز شخصية عن قوله، ويمكن لمكان أن يكشف عن تاريخ أصحابه من دون شرح.هذه النظرة هي التي جعلت شادي، قبل أن يكون مخرجاً للتاريخ، مخرجاً للزمن المادي، للآثار التي يتركها الإنسان خلفه بعد أن يرحل.** الماضي بوصفه سؤالاً لا ديكوراًمن أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة «المومياء» اختزاله في كونه فيلماً عن الحضارة المصرية القديمة. الفيلم أعمق من ذلك بكثير.ما يواجهه «ونيس» ليس مجرد اكتشاف سر المقابر، وإنما اكتشاف تاريخ لا يعرف كيف يضع نفسه أمامه. هنا تتحول الآثار من خلفية للأحداث إلى قوة تدفع الشخصيات إلى الاختيار. الماضي ليس خلفهم، إنه أمامهم، ويطالبهم بتحديد علاقتهم به.وهذا ما يمنح الفيلم حداثته المستمرة.فشادي لا يستخدم الحضارة المصرية لإنتاج صورة احتفالية عن العظمة القديمة، ولا يحولها إلى بطاقة سياحية فاخرة. على العكس، يضع الإنسان الصغير أمام تاريخ هائل، ويسأل ضمنياً: ماذا يفعل الفرد عندما يصبح حارساً لشيء يتجاوز عمره وحياته؟.لهذا فإن «المومياء» ليس فيلماً عن العثور على الموتى، بقدر ما هو فيلم عن مسؤولية الأحياء تجاه ما تركه الموتى.** الصورة عنده كانت تفكرلم يكن شادي يثق كثيراً في الشرح. كان يترك للصورة مساحة تقوم فيها بوظيفة التفكير.تكويناته الدقيقة، الملابس، العمارة، حركة الشخصيات، توزيع الأجساد داخل الكادر، وحتى المساحات الفارغة، كلها كانت تعمل معاً لبناء معنى يتجاوز الحوار. وهذه الحساسية يمكن فهمها أيضاً في ضوء خلفيته في العمارة وتصميم المناظر والملابس.لذلك لا تبدو الشخصيات في أفلامه منفصلة عن عالمها. إنها جزء منه.لكن هذه القوة نفسها تحمل أحد أسرار محدودية تجربته.فكلما ازداد اهتمام المخرج بتكوين الصورة، أصبح هناك خطر أن تتحول الشخصية إلى عنصر في لوحة، وأن يصبح الإنسان خادماً للمشهد بدلاً من أن يكون المشهد خادماً للإنسان.** وصفه بالمدرسة .. مبالغة نقديةوهنا ينبغي أن نتوقف أمام شادي نقدياً، لا احتفالياً فقط.فالتجربة التي تبدو اليوم شديدة التفرد كانت تحمل في داخلها قدراً من الانغلاق. شادي يطلب من المشاهد صبراً كبيراً، ويمنحه معلومات قليلة، ويعتمد على الإيحاء أكثر من المواجهة الدرامية. وهذا يمنح أفلامه كثافة وتأملاً، لكنه قد يجعلها بعيدة عن المشاهد الذي يبحث عن تطور واضح للشخصيات أو صراع درامي مباشر.في بعض لحظات «المومياء»، تبدو العناية بالتكوين البصري أقوى من الحاجة الدرامية. كأن الصورة تعرف إلى أين تريد أن تذهب قبل أن تعرف الشخصيات ذلك.وهذه ليست ملاحظة هامشية. إنها الثمن الذي دفعه شادي مقابل استقلاله الجمالي.لقد ربح لغة خاصة، لكنه خسر شيئاً من التواصل الواسع.كما أن قلة إنتاجه تجعل من الصعب الحكم على مشروعه باعتباره تجربة مكتملة. فالمخرج الذي رحل قبل أن ينجز «أخناتون» ترك وراءه تصوراً كبيراً أكثر مما ترك جسماً سينمائياً يسمح لنا بتتبع تطور لغته واختبار قدرتها على التنوع.ولهذا فإن وصفه بالمدرسة قد يكون مبالغة نقدية، شادي كان حالة استثنائية أكثر منه تياراً قابلاً للتواصل.** لماذا بقي «المومياء»؟مع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الحدود إلى انتقاص من قيمة التجربة.فالسينما مليئة بأفلام ناجحة تختفي مع تغير أذواق الجمهور، بينما بقي «المومياء» قادراً على إثارة الأسئلة بعد عقود من إنتاجه. السبب أن الفيلم لم يعتمد على لحظته وحدها.إنه لا يقول لنا فقط شيئاً عن مصر القديمة، بل عن علاقة المصري بالماضي، وعن معنى أن ترث ذاكرة لا تعرف كيف تستخدمها، وعن الصراع بين الاحتفاظ بما ورثناه وتحويله إلى مادة للاستهلاك.وهذه أسئلة لا تنتهي بانتهاء الفيلم.هنا تحديداً تظهر قوة شادي الحقيقية، لم يحاول أن يجعل الماضي جميلاً، وإنما جعله مسؤولية.** «أخناتون».. حدود المشروع وامتدادهيكتسب مشروع «أخناتون» أهمية خاصة في قراءة تجربته، ليس لأنه الفيلم الذي لم يكتمل فقط، بل لأنه يكشف مدى اتساع المشروع الذي كان يريده شادي لنفسه.كان يريد التعامل مع لحظة مصرية شديدة التعقيد، حيث الدين والسياسة والفن والسلطة تتقاطع في شخصية أخناتون. لكن الموت أوقف المشروع، كما أوقف إمكانية معرفة ما إذا كان شادي سيكرر نجاح «المومياء» أم كان سيذهب إلى منطقة أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.وهنا ينبغي مقاومة أسطورة «الفيلم المفقود» أيضاً. فالفيلم الذي لم يُصنع لا يمكن اعتباره تحفة مكتملة في الخيال. ما نملكه هو مشروع، ورسومات، وأبحاث، ورؤية فنية؛ أما الفيلم نفسه فلا يمكن الحكم عليه.وهذا جزء من الإنصاف النقدي الذي تستحقه تجربة شادي.** مخرج لم يحتج إلى كثرة الأفلامبعد أربعة عقود من رحيله، تبدو أهمية شادي عبد السلام أقل ارتباطاً بعدد أعماله وأكثر ارتباطاً بقدرته على جعل الفيلم حدثاً بصرياً وفكرياً يتجاوز زمن إنتاجه.لم يكن مخرجاً جماهيرياً، وربما لم يكن يريد أن يكون كذلك، ولم تكن لغته سهلة دائماً، وربما لم تكن تريد أن تكون سهلة. لكنه منح السينما المصرية احتمالاً نادراً، أن تكون الصورة نفسها موقفاً فكرياً.لهذا لا تكفي عبارة «المخرج صاحب المومياء» لتعريفه. كما لا تكفي أسطورة «الفنان العبقري الذي رحل مبكراً».الحكم الأدق أكثر قسوة وأكثر إنصافاً في الوقت نفسه، شادي عبد السلام لم يصنع سينما كثيرة، لكنه جعل القليل الذي صنعه يفضح كثيراً مما صنعناه بعده.وربما هنا تكمن أقسى شهادة لشادي عبد السلام، أن يصبح غيابه معياراً، وأن يظل فيلم واحد منه أكثر حضوراً من أفلام كثيرة جاءت بعده. لم تكن قوته في عدد ما أنجز، بل في أنه ترك للسينما المصرية سؤالاً لم تجد بعد إجابة كافية عنه: كيف نصنع فيلماً يستحق أن يبقى؟. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم