قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر
لـ كامل الدلفي| مجيدة محمدي – تونس
يشكّل كتاب أقاليم المبتدأ والخبر للقاصّ كامل الدلفي تجربة سرديّة تُقيم على تخوم اللغة والوجود معًا ، إذ لا يتعامل الكاتب مع النحو بوصفه نظامًا تقعيديًّا، بل باعتباره مرآةً للكينونة الإنسانيّة في هشاشتها وتوتّرها وسؤالها المفتوح. ومنذ العتبة الأولى، يعلن العنوان انحيازه إلى لعبة مزدوجة: ظاهرها لغويّ، وباطنها أنطولوجيّ. فـ«المبتدأ» و«الخبر» ليسا هنا ركنين في جملة اسميّة فحسب، بل قطبي علاقة مأزومة بين ذاتٍ تبحث عن تعريفها، وعالمٍ يتولّى صياغة هذا التعريف أحيانًا قسرًا.العنوان بوصفه هندسةً للمعنىلا تبدو كلمة «أقاليم» اعتباطيّة ، فهي تُخرج الثنائية النحويّة من بعدها المدرسيّ إلى فضاءٍ رمزيّ واسع، حيث تتعدّد الجمل كما تتعدّد الحيوات. إنّها أقاليم للقلق، وأقاليم للذاكرة، وأقاليم للحرب، وأقاليم للصمت. وبهذا المعنى، يغدو كلّ نصّ في المجموعة مساحةً لاختبار العلاقة بين الاسم وما يُسنَد إليه، بين الحضور اللفظيّ والغياب الدلاليّ.المبتدأ : كينونة في حالة انتظارفي أكثر من قصة، يقدّم الدلفي شخصياته بوصفها ذواتًا ناقصة الاكتمال، معلّقةً في فراغ المعنى. فيرد على لسان السارد: «كان اسمه حاضرًا في السجلات، لكن أحدًا لم يكتب خبره». هذه العبارة المكثّفة تُحيل إلى معادلة رمزية واضحة: الاسم موجود، غير أنّ معناه مؤجَّل. إنّ الشخصية هنا «مبتدأ» مرفوع نحويًّا، لكنّه ساقط وجوديًّا، ينتظر خبرًا يمنحه تحديدًا.وفي موضع آخر، تقول إحدى الشخصيات: «كلّما حاولتُ أن أعرّف نفسي، انكسرت الجملة قبل أن تكتمل». هذا الانكسار المتكرّر يكشف عن أزمة هوية لا تجد سندًا ثابتًا، وكأنّ الذات تظلّ في حالة رفعٍ بلا إسناد.الخبر: سلطة التأويل وإعادة التعريفإذا كان المبتدأ رمز الذات، فإنّ الخبر في هذه البنية يمثّل سلطة التأويل التي تُعيد تشكيل تلك الذات. ففي قصة ذات خلفيّة حربيّة، يرد توصيف لمدينة «تكتب أخبار أهلها بالنيابة عنهم». هنا يتحوّل الخبر إلى خطابٍ خارجيّ: سلطة، تاريخ، حرب، مجتمع. هو الذي يحدّد صفات المبتدأ، ويقيّده أو يعيد تعريفه.وتتجلّى المفارقة حين تقول شخصية أخرى: «أردتُ أن أكون جملةً بسيطة، لكنهم أضافوا إليّ أخبارًا لا تشبهني». إنّ الفعل الجمعيّ «أضافوا» يُظهر البعد السياسيّ
#مجلة النخبة الراىدة ـالسودانية#مجلة ايليت فوتو ارت


