تقليد عمل يُنسب إلى مايكل أنجلو، قالب جبسي من القرن التاسع عشر، موقع متحف اللوفر
في متحف اللوفر بباريس، يتخذ النحت صيغة سؤالٍ ممتد في معرض فتح تاريخٍ طويل من التفكير في الجسد مادةً للفن ووعاءً للروح في آن واحد، ضمن مشروع يحمل عنوان “ميكاييل أنجلو/ رودان: الأجساد الحيّة”، حيث تتقاطع تجربة عصر النهضة مع بدايات الحداثة داخل فضاءٍ واحد يعيد ترتيب العلاقة بين الحجر والحياة، وبين الشكل وما يضطرب داخله من طاقةٍ ومعنى. يمتد المعرض من 15 إبريل/نيسان إلى 20 يوليو/تموز المقبل داخل قاعة نابليون، بتنظيمٍ مشترك بين متحف اللوفر ومتحف رودان، وبمشاركة إعارات دولية واسعة، في لحظةٍ رمزية تتزامن مع مرور 550 عاماً على ميلاد مايكل أنجلو، بإرثه الحاضر فاعلاً داخل التفكير الفني المعاصر.
يضم المعرض أكثر من 200 عملٍ فني تتنوع بين الرخام والبرونز والجبس والطين المحروق والقوالب، إلى جانب مجموعةٍ كبيرة من الرسوم والدراسات التحضيرية، بما يسمح بتتبع مسار النحت من الفكرة إلى التشكيل ومن التخطيط إلى لحظة التحقق المادي. هنا يتجلى العمل الفني أثراً لعملية طويلة من التحول، وفيه تتجاور المادة الخام مع لحظة التكوين داخل رؤيةٍ واحدة تجعل من النحت فعلاً مفتوحاً على الزمن.
تبدأ التجربة البصرية في هذا الحدث بخمس منحوتاتٍ تؤسس مباشرة لمنطق المعرض: “العبد المحتضر” و”العبد الثائر” لمايكل انجلو ، إلى جانب “عصر البرونز” و”آدم” و”دراسة عارية لِجان دار” لأوغست رودان. هذه الأعمال تضع المتلقي أمام جسد لا يستقر، جسد يبدو وكأنه يستخرج من المادة في لحظة لا تكتمل، وهو ما يرسخ فكرة التوتر الداخلي باعتباره جوهر التمثيل النحتي.
تتبع مسار النحت من الفكرة إلى التشكيل ومن التخطيط إلى لحظة التحقق المادي
يتوزع المسار بعد ذلك على بنيةٍ مفاهيمية متعددة تبدأ بتتبع تشكل الأسطورة حول الفنانين داخل تاريخ الفن، من خلال الصور والوثائق والأعمال التي ساهمت في ترسيخ حضورهما الرمزي. غير أن هذه الأسطرة لا تُقدَّم بوصفها زخرفاً تاريخياً، وإنما بوصفها مدخلاً لفهم شبكة التأثيرات التي ربطت بين التجربتين، حيث يتضح أثر ميكاييل أنجلو في تكوين رؤية رودان، خصوصاً بعد رحلته إلى فلورنسا عام 1876 واحتكاكه المباشر بأعمال النهضة.
ينتقل المعرض بعد ذلك إلى علاقة كل من الفنانين بالطبيعة وبالنموذج الكلاسيكي، حيث يظهر الجسد باعتباره موضوعاً للدراسة وإعادة البناء. ميكاييل أنجلو ينطلق من تشريحٍ دقيق للجسد الإنساني، يشتغل عليه بوصفه بنيةً قابلةً للتفكيك وإعادة التركيب ضمن نموذجٍ مثالي يتجاوز الطبيعة نفسها، في حين يتعامل رودان مع الجسد المعاصر بوصفه مادةً غير مستقرة، تحمل أثر الزمن والانكسار، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيله خارج منطق الكمال المغلق، مع بقاء أثر المرجع الكلاسيكي حاضراً في خلفية التكوين.
في محور لاحق يتبلور مفهوم اللامكتمل (Non finito) جوهراً جمالياً وليس مجرد تقنية. تظهر الأعمال وكأنها في حالة خروجٍ دائمٍ من الحجر، حيث تبقى آثار الأدوات مرئيةً داخل السطح ويظل الشكل عالقاً بين ما هو منجز وما لم يكتمل بعد. هذا التوتر بين المادة والإنجاز يتحول لدى رودان إلى ممارسةٍ واعية، تبقي النحت في حالة حركةٍ داخلية كما تحوّل العمل إلى سجلٍ مفتوحٍ لعملية الصنع نفسها.
ومع الانتقال إلى محور الجسد والروح، يتوسع النحت نحو البعد الوجداني، حيث يصبح الجسد حاملاً لحالات نفسية مكثفة، تراوح بين الألم والرغبة والتأمل والارتباك. يصير الجسد سطحاً تُقرأ عليه التحولات الداخلية، كما في الأعمال التي تستدعي لحظات التوتر الدرامي في التماثيل الدينية والأسطورية لدى الفنانين.
هذا المسار يبلغ ذروته في محورِ الطاقة والحياة، حيث تتخذ الأجساد وضعياتٍ غير مستقرة، وتبدو مشدودةً إلى حركة داخلية دائمة، تجعل النحت أقرب إلى كيان حي منه إلى كتلةٍ ساكنة. التوازن هنا لا يُفهم بوصفه استقرارًا، وإنما بوصفه شدًّا مستمرًّا بين قوى متقابلة، ينتج عنه إحساس بأن المادة نفسها تنبض بالحركة.
غير أن المعرض لا يكتفي بإعادة قراءة الإرث الكلاسيكي، ذلك أنه يفتحه على امتداد زمني يتجاوز حدوده، عبر إدماج أعمال لفنانين معاصرين مثل جوزيف بويز، بروس نومان، جوزيبي بينوني وجانا سترباك، بما يجعل الجسد مجالًا مستمرًّا لإعادة التفكير في المادة والفراغ والاختزال داخل الفن الحديث وما بعده.
ويكتمل هذا الامتداد عبر حضور مجموعة من الأعمال المفصلية داخل مسار العرض نفسه، حيث تتجاور منحوتات ميكاييل أنجلو ورودان مع أعمال مركزيةٍ في تجربتهما النحتية، من بينها “موسى” لمايكل أنجلو إلى جانب “بوابة الجحيم” و”بالزاك” و”الصوت الداخلي” و”اليد الإلهية” لأوغست رودان، بما يوسّع أفق القراءة نحو محطات أساسية في تطور اللغة النحتية لدى الفنانين، ويعمّق تتبع اشتغالهم على الجسد بوصفه مادة في حالة تشكّل دائم لا تستقر على صيغة نهائية. كما تمتد هذه الإحالات إلى سياقات تاريخية أوسع عبر استحضار منحوتات مرجعية مثل “تورتسو بلفيدير”، إضافة إلى أعمال لتمثيليي المدرسة المانيرية مثل فينتشنزو دانتي وفينتشينزو دي روسي وبييرينو دا فينشي، بما يعيد وصل التجربتين بجذور النحت الأوروبي ومسارات تحوّله المتتابعة.
وتتسع هذه القراءة من خلال شبكة إعارات دولية واسعة أتاحت جمع أعمال نادرة من مؤسسات كبرى، ما يجعل المعرض أقرب إلى لحظة تجميع استثنائية لتاريخ النحت الغربي داخل فضاء واحد، حيث تتقاطع أعمال مرجعية مع سياقاتها الأصلية السابقة داخل رؤية متحفية جديدة.
يتجاوز المشروع أيضاً حدود العرض الثابت عبر برنامج موازٍ يتقاطع مع فنون الأداء، حيث استضاف متحف اللوفر عروضاً راقصة من أوبرا باريس مستوحاة من أعمال ميكاييل أنجلو ورودان. يتحول الجسد هنا من كتلة منحوتة إلى حركة ومن أثر بصري إلى فعل زمني يتم إنتاجه من جديد أمام الجمهور، بما يفتح قراءة إضافية للنحت بوصفه احتمالاً للحركة، بعيداً عن كونه تثبيتاً للشكل.
******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت


