حين تعزف الألوان موسيقى الشرق
تقدم لوحة الفنان مصدق الحبيب Alhabeeb MJ ليالي بغداد تجربة بصرية غنية تتجاوز حدود التمثيل المباشر للمشهد الشرقي، لتعيد بناءه ضمن رؤية فنية تجمع بين أصالة التراث وروح الحداثة. فالمشهد الذي يضم العازفين والراقصة والهلال والملابس الفلكلورية لا يظهر هنا بوصفه استعادة لمشهد تراثي مألوف، بل يتحول إلى فضاء بصري متحرك، تتداخل فيه الموسيقى مع اللون، والحركة مع الضوء، والذاكرة الثقافية مع البحث التشكيلي المعاصر.
تقوم بنية العمل على تفكيك الأشكال إلى مساحات هندسية متداخلة، تمنحها مظهراً قريباً من البلورات أو الشظايا المتلألئة. فالأجساد والآلات والعناصر المحيطة لا تُقدَّم بصيغتها الواقعية المباشرة، وإنما يعاد تركيبها عبر خطوط ومساحات متقاطعة، الأمر الذي يضفي على المشهد طابعاً ديناميكياً واضحاً. وفي الوقت نفسه، تتولد من هذا التقطيع الهندسي حركة بصرية صاعدة ودائرية، تجعل العين تنتقل بين العازفين والراقصة والهلال، وكأن التكوين بأكمله يتحرك على إيقاع موسيقي غير مسموع.
وتتأكد هذه الحركة من خلال التفاعل بين الخطوط المنحنية والأقواس من جهة، والخطوط الحادة والمكسرة من جهة أخرى. هذا التناقض لا يؤدي وظيفة زخرفية فحسب، بل يخلق إيقاعاً بصرياً يحاكي إيقاع الموسيقى نفسها؛ فالأوتار تبدو وكأنها تتحول إلى خطوط، والحركة الجسدية إلى منحنيات، واللحن إلى مساحات لونية تتردد داخل فضاء اللوحة.
أما اللون، فيؤدي دوراً يتجاوز الوصف إلى بناء المعنى. فالألوان الدافئة، ولا سيما البرتقالي والأصفر والذهبي، تتركز في ملابس العازفين وآلاتهم، فتمنح المشهد إحساساً بالدفء والاحتفال والحيوية. في المقابل، تحيط بهذه الكتلة المضيئة خلفية أكثر عتمة، تتدرج بين الأزرق والأخضر، فتخلق فضاءً ليلياً غامضاً يبدو كأنه يحتضن الموسيقى ويمنحها عمقاً روحياً. واللافت أن الضوء لا يبدو قادماً من مصدر خارجي محدد، بل ينبعث من داخل الشخصيات والعناصر نفسها، وكأن الموسيقى هي التي تولد الضوء وتمنح الأجساد حضورها.
وتحمل عناصر اللوحة شحنة رمزية واضحة. فالعازفون وآلاتهم الموسيقية يستحضرون ذاكرة الشرق وموروثه الموسيقي، بينما تتحول الراقصة إلى مركز تعبيري للحركة والانعتاق. فالجسد الصاعد إلى الأعلى لا يبدو مجرد جسد يؤدي رقصة، بل يتحول إلى صورة بصرية للتحرر والانفعال والذروة الروحية التي يمكن أن تبلغها الموسيقى. إن الحركة هنا ليست حركة جسدية فحسب، بل هي انتقال من الواقع إلى فضاء أكثر تحرراً، حيث يذوب الجسد في الإيقاع ويتحول إلى طاقة بصرية.
ويأتي الهلال في أعلى التكوين ليمنح المشهد بعداً زمنياً ومكانياً واضحاً. فهو يحدد فضاء الليل والسهر والأنس، لكنه في الوقت نفسه يضيف إلى العمل مسحة من الغموض والشاعرية. ومن خلاله، لا تعود اللوحة مجرد مشهد موسيقي، بل تصبح فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الحلم، والواقع مع المخيلة، والموسيقى مع التأمل.
كما تؤدي العمائم والملابس الفلكلورية دوراً مهماً في تثبيت الهوية الثقافية للعمل. غير أن الفنان لا يقدم هذه العناصر بوصفها وثائق إثنوغرافية أو استعادة حرفية للماضي، بل يعيد صياغتها ضمن لغة تشكيلية حديثة. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة اللوحة: إنها لا تضع التراث في مواجهة الحداثة، ولا تتعامل مع الأسلوب الغربي بوصفه بديلاً عن الهوية، بل تجعل الاثنين يدخلان في حوار خلاق.
فالفنان يستخدم أدوات التفكيك الهندسي الحديثة لإعادة بناء عالم شرقي واضح الملامح، وبذلك يتحول التراث من مادة ثابتة إلى طاقة قابلة للتجدد. لا يعود الشرق هنا صورة محفوظة أو مشهداً استشراقياً جاهزاً، بل يصبح مادة حية يعاد اكتشافها من خلال لغة تشكيلية معاصرة. وهذا التفاعل بين المرجعية الثقافية والأسلوب الحديث يمنح العمل خصوصيته، ويبعده عن النقل المباشر أو الاستعادة التقليدية.
ومن أبرز ما ينجح فيه العمل قدرته على تحويل المسموع إلى مرئي. فالمتلقي لا يرى العازفين والراقصة فحسب، بل يكاد يشعر باهتزاز الأوتار، وبالإيقاع المتصاعد، وبالحركة التي تخترق فضاء اللوحة. تتشابك الألوان والخطوط والمساحات بحيث يبدو المشهد وكأنه موسيقى مرئية، أو لحن صامت يمكن للعين أن تسمعه من خلال حركة التكوين وتوتراته اللونية.
إن قوة هذه اللوحة لا تكمن في موضوعها الشرقي وحده، فالموضوع التراثي قد يتحول بسهولة إلى تكرار إذا لم يجد الفنان له معالجة جديدة، وإنما تكمن في الطريقة التي أعاد بها الفنان بناء هذا الموضوع. لقد نجح في نقل المشهد من حدود الفلكلور إلى فضاء تشكيلي أكثر رحابة، حيث تتحول الموسيقى إلى حركة، والحركة إلى لون، واللون إلى ضوء، والذاكرة الثقافية إلى لغة بصرية معاصرة.
وبذلك تبدو اللوحة تجربة تجمع بين الأصالة والحداثة دون أن تذيب إحداهما في الأخرى. إنها تستعيد روح الشرق، لكنها لا تعيد إنتاجه كما هو؛ وتستفيد من منجزات الفن الحديث، لكنها لا تفقد خصوصيتها الثقافية. وفي هذا التوازن تحديداً تتجلى قيمتها الفنية، إذ يتحول المشهد الموسيقي إلى احتفال بصري بالحياة، وتصبح الأشكال المتكسرة والأنوار المتوهجة أشبه بإيقاع دائم يخرج من قلب الليل، ليؤكد أن التراث، حين يعاد اكتشافه بوعي فني، لا يبقى أسيراً للماضي، بل يستطيع أن يولد من جديد في لغة الحاضر
بيان الأعمال
الفنان :مصدق الحبيب
العنوان: ليالي بغداد
التقنية: اكريليك على كانفس
الأبعاد: 75×100 سم
العام : 2020
ملاحظة: كانت عبارة عن لوحتين الوان مائية مع گواش gouache على ورق مائيةالعام : 89 و 92
.


