الإلكترون لا يملك وعيًا أو إحساسًا بالاتجاه، ولا يتخذ قرارات كما نتخيل نحن. أي تصور بأنه “يسلك طريقًا” هو مجرد إسقاط بشري على عالم لا يشبهنا. في الفيزياء الكلاسيكية، اعتدنا على تشبيهه بجسيم صغير يتحرك في مسار محدد، لكن عند دخولنا عالم الكم، يتلاشى هذا التصور بالكامل.
في الحقيقة، مكان الإلكترون غير محدد بدقة، بل يُوصف بدالة موجية تعبر عن احتمالية وجوده في كل نقطة. عند تطبيق فرق جهد في دائرة كهربائية، لا نوجه الإلكترون، بل نغير خصائص المجال الكهربائي من حوله، فتتغير احتمالات تواجده في الأماكن المختلفة. الدالة الموجية نفسها تتكيف مع هذا المجال، وكأننا نعيد رسم خريطة احتمالاته دون تدخل مباشر.
الإلكترون لا يتحرك خطوة بخطوة، بل تنتشر موجته عبر كل المسارات الممكنة في الوقت نفسه، وتتداخل هذه الاحتمالات، فتتقوى بعض المسارات وتضعف أخرى. النتيجة التي نراها لاحقًا تبدو وكأن الإلكترون اختار طريقًا محددًا، لكن هذا ليس قرارًا، بل نتيجة تفاعلات فيزيائية دقيقة.
حتى داخل الذرة، الإلكترون لا يدور حول النواة كما يفعل الكوكب حول الشمس. هو مجرد سحابة من الاحتمالات، لا يتجمد في مكان إلا عند القياس، حين نكتشف موقعه فعليًا، كأننا نستخرج جوابًا من سؤال لم يكن له إجابة واحدة.
الإلكترون إذن لا يعرف وجهته، بل المجال الكهربي والمغناطيسي يحدد التوزيع الاحتمالي لوجوده، ونحن نلاحظ فقط أثر هذا التفاعل في النهاية. كلما تعمقنا في فهم الطبيعة، أصبح واضحًا أن المعرفة المطلقة تتجاوز قدراتنا وأن الكون أعقد وأوسع من إدراكنا اليومي، والكم يعكس هذا العمق بطريقة لم نعهدها في عالمنا اليومي.
#مجلة إيليت فوتو آرت


