كيف وُلدت “عبثية” ألبير كامو؟

شمس الجزائر وظلال الحرب: كيف وُلدت “عبثية” ألبير كامو؟مقالٌ من إعداد: كادر صفحة مسرح العبثفي عام (1942)، أصدر شابٌ فرنسيٌّ ولد في الجزائر كتاباً صغيراً بعنوان “أسطورة سيزيف”، ليبدأ بجملة هزّت أركان الفلسفة المعاصرة: “ليس هناك إلا مشكلة فلسفية خطيرة حقاً، ألا وهي الانتحار”. هذا الشاب هو ألبير كامو، الذي لم يبتكر “العبثية” كمجرد ترف فكري، بل كصرخةٍ وجوديةٍ نابعةٍ من صراعه الشخصي مع واقع مرير. فما هي القوى التي شكلت هذه الرؤية؟● الفقر وشمس المتوسط: التناقض الأولنشأ كامو في حي “بلكور” الفقير بالجزائر العاصمة. عاش في كنفِ أمٍ صمّاء وأمية تعمل خادمة، وفي بيئةٍ تفتقر إلى أدنى مقوّمات الرفاهية. لكن هذا الفقر لم يكن بائساً تماماً، فقد كان محاطاً بجمال الطبيعة الخلاب، والبحر الأبيض المتوسط، والشمس الساطعة.هذا التناقض بين جمال العالم وقسوة الحالة البشرية هو النواة الأولى للعبث. يقول كامو في كتابه “الوجه والقفا” او “L’Envers et l’Endroit” والشهير بترجمته للعربية بعنوان “وجها الحياة”:”لقد وضعتني الظروف في منتصف الطريق بين البؤس والشمس. الفقر منعني من الاعتقاد بأن كل شيء على ما يرام تحت الشمس وفي التاريخ، والشمس علمتني أنّ التاريخ ليس كل شيء”.● مواجهة الموت: السل والهشاشةفي سن السابعة عشرة، أصيب كامو بمرض السل الرئوي، وهو الحدث الذي غير مسار حياته تماماً. في تلك اللحظة، أدرك بأنّ الموتَ ليس فكرة بعيدة، بل هو يقينٌ قد يُنهي طموحاته في أي لحظة. هذا الشعور بهشاشة الحياة ولّد لديه وعياً حاداً بأن الوجود الإنساني محكوم بالنهاية المحتومة، مما جعل البحث عن معنى يبدو كمهمة مستحيلة أمام جدار الموت الصامت.● المناخ السياسي: ويلات الحرب العالمية الثانيةشهد كامو صعود الفاشية والنازية واحتلال فرنسا. بالنسبة له، كانت الحرب هي التجسيد الأسمى للعبث، حيث يُقتل الملايين من أجل أيديولوجيات كبرى لا تقدم تفسيراً مقنعاً للألم الفردي. في روايته “الطاعون”، استخدم الوباء كرمز للشر والعبث الذي يضرب البشرية دون تمييز.يقول كامو في “أسطورة سيزيف”:”العبث يولد من المواجهة بين النداء الإنساني وصمت العالم غير المعقول”.هذا الصمت هو ما واجهه كامو وهو يرى أوربا تحترق، حيث لا إله ولا منطق تاريخي يتدخل لإنقاذ الإنسان.● المؤثرات الفلسفية والأدبيةتأثر كامو بعمق بـ”نيتشه” في فكرة “موت الإله” وضرورة خلق القيم الذاتية، وبـ”دوستويفسكي” الذي طرح معضلة العدالة الإلهية في “الإخوة كارامازوف”.لكن كامو اختلف عن الوجوديين الآخرين (مثل سارتر) في كونه رفض الاستسلام لليأس أو الانغماس في التزامات سياسية تعمي الإنسان عن حقيقته الفردية.بالنسبة لكامو، العبث ليس نهاية المطاف، بل هو البداية. هو يدعونا لتبني “سيزيف” كبطل، ذلك الرجل المحكوم عليه بدحرجة صخرة إلى قمة الجبل للأبد، فقط لتعود وتتدحرج للأسفل في قوله: “يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً”.. لأن الصراع نفسه نحو القمم يكفي لملء قلب الإنسان.العبث كفعل تمردلم تكن عبثية كامو دعوة للانتحار أو التراخي، بل كانت دعوة للتمرد. التمرد ضد العبث بالعيش بملء الإرادة، وبالاستمتاع بـ “نعم” الحياة رغم “لا” الموت.ولقد شكلت الجزائر بفقرها وجمالها، والمرض بتهديده، والحرب بدمويتها، رؤية فريدة ترى في الإنسان كائناً عظيماً لأنه يرفض الركوع أمام عالم لا يفهمه.كادر صفحة مسرح العبث.. # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم