إسطنبول في “متحف البراءة”: بين الرواية والصورة حضور إسطنبول في “متحف البراءة” للروائي أورهان باموق، كاشفًا تحوّل المدينة بين السرد الروائي والتجسيد البصري، وصراع الحداثة والطبقة في النص الأصلي ومسلسل نتفليكسممدوح النابيكاتب وناقدعرضت منصة “نتفليكس”، بمناسبة عيد الحب في 14 شباط/فبراير الماضي، حلقات مسلسل “متحف البراءة” في ثماني حلقات، وهو عمل مقتبس عن رواية تحمل العنوان ذاته “Masumiyet Müzesi” الصادرة عام 2008 للروائي التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب أورهان باموق، ما زاد من شعبية الرواية التي كانت تدور أحداثها في حقبة السبعينيات وبداية الثمانينيات، بسبب المتحف الذي أسسه باموق باسم الرواية عام 2012، وقد افتُتح في المكان نفسه الذي وقعت فيه حكاية كمال مع فسون في أحد أزقة أوغلو بيه القديمة في منطقة تقسيم في إسطنبول.لم تكن رحلة إنتاج المسلسل بالأمر السهل، فقد كان ثمة عقبات اعترضت التنفيذ الذي لم يتواءم مع سياسة وأفكار باموق، ففي عام 2019 تمّ الإعلان عن توقيع عقد مع شركة هوليودية لتحويل الرواية إلى مسلسل تليفزيوني، إلا أن ملخص السيناريو الذي قدمته الشركة إلى باموق أصابه بالهلع بسبب كم التغيرات التي أصابت النص الأصلي، ورأى باموق فيها “تجاوزًا غير معقول”، وهو ما دفعه إلى رفع قضية على الشركة لاستعادة حقوق عمله، الأمر الذي حدث عام 2022 بكسب القضية التي رفعها على شركة الإنتاج، ثم بدأت رحلة البحث عن شركة إنتاج تركية لتنفيذ العمل وفقًا لشروط باموق، وبالفعل تمّ التوقيع مع “شركة القمر” (Ay Yapım) والمنتج كرم شاتاي، وقد تابع باموق بنفسه تنفيد السيناريو الذي قام بكتابته السيناريست إرتان كورتولان. ومن حرص باموق على دقة الكتابة، وقع باموق وشاتاي على كل صفحة من صفحات الحلقات الثماني، كما اختار باموق المخرجة زينب غوناي لتنفيذ العمل، حيث استغرق إنتاج المسلسل تقريبًا أربعة أعوام كاملة.الخط السّردي للمسلسل لم يخالف أحداث الرواية، بل يكاد يكون نقلًا حرفيًا عن الرواية الأصل التي سجلت قصة عشق كمال ابن الطبقة الأرستقراطية، وفوسون ابنة الطبقة الفقيرة. كما أن الخط الدرامي لم يحد عن الخيط السّردي بسبب إشراف باموق على الكتابة الدرامية، إضافة إلى أن باموق كان حاضرًا في الحلقتين الأولى والأخيرة ليؤكد هذا التشابه بين النصين المكتوب والدرامي، وهي المرة الأولى التي يشارك باموق في عمل درامي، لكنه ظهر بشخصيته الحقيقية كاتب العمل.متحف البراءة، الواقع في تشوكورجوما، هو أول متحف في العالم يخرج من رواية. أصل المتحف منزل قديم من ثلاثة طوابق، بُني عام 1897، وحُوِّل إلى متحف يحتضن حياة ومقتنيات عصر الرواية. يضمّ مقتنيات فسون التي جمعها كمال من بيتها ومحيطها؛ أقراطها، وأحذيتها، وملاقط شعرها، وأثوابها، ورخصة قيادتها، وكذلك مقتنيات لأمّها نسيبة ووالدها السيد طارق. وبالمثل، يضمّ أشياء تعود إلى كمال ووالده، رجل الأعمال أدهم بيه، وكثير من الأبطال الواردة أسماؤهم في الرواية.لا يقدم المتحف قصة حب فحسب، بل أيضا حياة مدينة إسطنبول بين عامي 1950–2000 كأرشيف من خلال الأشياء اليومية. عندما سُئل عن واقع الشخصيات، أكد باموق عادة على هذا: “يجب أن تحمي المتاحف ليس فقط الأعمال الفنية، ولكن أيضًا الذكريات وروح الحياة اليومية. على الرغم من أن كمال وفوسون هما نتاج خيالي، إلا أن الألم والشوق والمعاني التي يشعران بها حقيقية بالنسبة لنا جميعًا”.ترجع فكرة الرواية إلى علاقة باموق العاطفية بالمتاحف، لكن في الحقيقة هذا الامتزاج الذي حدث بين النص الروائي والمكان، يتأتى وفقًا لإيمان باموق ذاته بأن “الأدب والفن يقومان على تحويل غرض مألوف إلى أمر غريب غير اعتيادي”، وهو ما حدث بالضبط، سواء على مستوى المتحف الذي حوى أشياء تبدو للمشاهد أنها غير ذات قيمة؛ وفي الرواية، حيث الإصرار الذي رأينا عليه كمال للذهاب إلى أسرة كسكين لتناول العشاء ومتابعة أحوال فسون، وتتبع كافة الأشياء التي ارتبطت بها.لكن في الحقيقة أن باموق كان يسعى من وراء الرواية إلى تأسيس علاقة عاطفية مع الأشياء، فحسب قوله: “لم يكن المتحف هو الهدف من روايته، بل شرح التعقّد والحالة النفسية والثقافية والإنسانية التي نسميها عشقًا ببرودة أعصاب”. كما أنه لا يعتبر المتحف “صورة تفسيرية عن الكتاب، والرواية ليست تفسيرًا للمتحف، إلا أنهما مرتبطان بشكل وثيق”، إذ ببساطة حسب قوله “متحف البراءة قبل كل شيء فكرة حول العشق”. الغريب أن الإعلان عن المسلسل أنعش حركة الزائرين للمتحف، وبحسب تصريحات لصحيفة “حرييت”(hürriyet) التركية، فإن عدد زوّار “متحف البراءة” قد تضاعف منذ اقتراب موعد العرض، كما أن باموق نفسه يأمل في ازدياد أعداد الزائرين بعد عرض المسلسل.قام ببطولة المسلسل الممثل التركي صلاح الدين باشالي، الذي ذاعت شهرته بدور عمر في المسلسل التركي “عمر”، والآن يقوم بدور نيزهت في المسلسل الشهير “الحسد” (kıskanmak)، وقد استطاع أن يتقمص دور العاشق الثلاثيني المنقسم على نفسه بين حب خطيبته سيبال التي يستعدان لتحضيرات حفل الخطوبة، وعشقه الجنوني للفتاة فسون ذات الثامنة عشر ربيعًا، التي لعبت دورها الشابة أيلول ليز كانديمير، وتميزت بأداء هادئ وتعبيرات وجه عكست حالة القلق التي يساورها من علاقة كمال بخطيبته سيبال، وهو ما ظهر بصورة واضحة في حفل الخطوبة وجلوسها معهم على نفس المائدة، ثم ردة فعلها بالانسحاب والاختفاء عن كمال، ثم إعلان زواجها من كاتب السيناريو.لكن والد فسون، طارق، الذي لعب دوره الممثل التركي إيرجان كيسال، وهو نفسه الذي يقود أسرة ظافر كارسيلي في مسلسل “ولي العهد” (Veliaht)، المستمر عرض حلقاته حاليًا، لم يضف شيئًا يُذكر إلى المسلسل. فأحداث العمل تقوم أساسًا على الثلاثي كمال وفسون وسيبال. وقد لعبت دور سيبال الممثلة التركية أويا أونوستاسي، فعكست الصورة الذهنية للفتاة التي رسمها باموق على الورق من حيث الشكل والثقافة الغربية؛ فهي خريجة جامعة السوربون، وابنة سفير سابق، ومولعة بالموضة والتسوق.من هو كمال؟ ولماذا انهار عالمه الوردي بعد لقائه بفسون؟كمال بسماجي هو وريث لإمبراطورية النسيج، التي تنتمي إلى عائلة راسخة وغنية من نيشان تاشي، تعيش في إسطنبول في السبعينيات. لكن المسلسل قدم لنا الشخصية على أنه موظف في إحدى المؤسسات الحكومية، ارتبط بإحدى فتيات الأسر الثرية التي تدرس في باريس، غير أن الحظ يقوده إلى معرفة فسون، وهي عاملة في محل بيع الملابس النسائية المستوردة، والتي يكتشف أنه تربطه بها علاقة عائلية. يخصص كمال وقت بعض الظهر للقاء فسون في شقة بناء ميرهمات، بزعم أنه يساعدها في درس الرياضيات، فهي تستعد لامتحان الجامعة. ومن هذا الوقت تبدأ قصة حب بينهما، وهو في الوقت نفسه يسعى إلى الحفاظ على علاقته بسيبال، لكن لم يكن الأمر سهلا، فالخيط ينفلت من بين يديه ويفقد الاثنتين.حالةُ الانقسام التي ظهر عليها كمال جسّدتها المخرجة عبر المواجهات بينه وبين سيبال، ولا سيما في لحظة اعترافه بعلاقته بفسون في الحفلة التي اعتقدت أنها ستخرجه من حالة الاكتئاب، غير أن اعترافه عمّق الخلاف بينهما. لم يكن كمال يعترف بخيانته لسيبال فحسب، بل كان يتلوّى ألمًا بحبه لفسون؛ وهو ما أدركته جيدًا، فسعت، بما تحمله من ثقافة غربية، إلى تجاوز هذه الأزمة ودفعه نحو التعافي. العجيب أن ثورة سيبال هدأت بعد اعترافه بانقطاع علاقته بفسون عقب حفل الخطوبة؛ في حالة امتصاص لصدمة الخيانة نقلتها الممثلة ببراعة شديدة. ففي اليوم التالي للاعتراف، استيقظ كمال فزعًا يبحث عن سيبال، وراح يجوب الشقة بحثًا عنها، إلا أن المفاجأة له ولنا كمشاهدين تمثّلت في أنها كانت تُحضّر الفطور لهما، مع تغيير في ملامحها وقصة شعرها، بما يعكس حجم الألم الذي عانته من الاعتراف. ثم سعت بكل جهدها إلى التأقلم مع اعترافه، وبمعنى أصح إلى التناسي ومساعدته على التعافي، بالسهر مع شلة الأصدقاء وممارسة الجنس معه.لكن الشيء الذي أدركته سيبال أن جسد كمال وحده كان معها، أما روحه فكانت شاردة في البحث عن فسون التي اختفت. وعندما أدركت ذلك، قررت الانسحاب على الفور من حياته، بعد أن أيقنت أن مشكلة كمال لا تكمن في حبه لامرأة أخرى، بل في عدم حبه لها. أجادت الممثلة أويا أونوستاسي تجسيد مشاعر المرأة المجروحة بفعل الخيانة؛ فكانت مشاعرها صادقة في حبها له، وفي عدم تصديقها مزاعمه بنسيانه لفسون. وكانت الكاميرا تركز كثيرًا على ملامح وجهها لتعكس حالة الانهيار التي تعيشها، وهي تواجه فشلها في استعادة حب كمال. وقد وصل بها الأمر إلى الشعور الامتعاض من وجوده في الجلسات مع أصدقائها؛ فكانت تنسحب بمجرد حضوره.نجحت المخرجة في اختيار زوايا إخراجية موفقة تكشف بؤس إسطنبول الفقيرة في مقابل الثراء النادر لبعض رجال الأعمال وأصحاب المصانع والنفوذ. فكانت الكاميرا، وهي تتابع رحلة كمال بحثًا عن فسون، تصوّر هذا الجانب من الحياة الليلية في شوارع وأزقة المدينة، حيث يرزح البؤس والفقر في صور الأكواخ الخشبية وأكواخ الصفيح، وكذلك في الحالة المزرية التي بدا عليها أطفال تلك المناطق، الذين كان كمال يلاطفهم أثناء سيره. واللافت أن حالة الانهيار التي مُني بها كمال بعد اختفاء فسون، وعجزه عن مواءمة حياته مع حياة سيبال العصرية المنفتحة، جسّدتها المخرجة عبر تنويعة من اللقطات والمشاهد التي ركّزت عليه من دون حوارات، حيث كان الراوي هو الذي يتولى السرد، بينما كانت الكاميرا تركز على وجوه كمال وفسون وسيبال. والهروب من عالمه إلى الإقامة في فندق فاتح، وإهماله لنفسه، وإفراطه في الثمل، حتى وهو في حضن سيبال؛ أو عبر لقطات فلاش باك وهو يستعيد اقتطاعات من علاقته بفسون أثناء اللقاءات السرية التي كانت تتم في شقة بناء ميرهمات، أو حالة الاستغراق في التفكير والمطر يتساقط خارج النافذة، إضافة إلى صوت صرخات كمال هو يستعيد لحظات شبقه مع فسون.كما تميّزت كادرات الكاميرا بتقديم صورة لافتة لأحياء إسطنبول الفقيرة في تلك الحقبة، أثناء رحلة كمال للبحث عن شبح فسون في الشوارع والحارات الضيقة. كانت أشباحها تخايله في كل الأماكن التي مرّ بها؛ في دور السينما، والشوارع، والنوافذ، والفنادق؛ كان في داخل كمال مقتٌ للنمط الأوروبي الذي غرسه فيه أبوه، ولحالة الانفتاح على الغرب التي كانت تركيا تعيشها آنذاك. كان يحب البساطة التي استعادها في شوارع إسطنبول الفقيرة والقديمة خلال رحلة بحثه عن فسون.تعرية الطبقة المخمليّةالسّمة الغالبة على أعمال باموق هي هيمنة المكان، وعلى الأخص إسطنبول، بكافة أزمنتها في معظم كتاباته، فهي حاضرة كعاصمة السّلطنة العثمانيّة كما في رواية “القلعة البيضاء” (1995)، وبالمثل روايته “اسمي أحمر” (1997)، وحاضرة منذ انهيار السلطنة وقيام الجمهورية إلى سبعينيات الانقلابات كما في روايته الأولى “جودت بيك وأبناؤه” (1982). وحاضرة أيضًا منذ إعلان الجمهورية حتى وصول “العدالة والتنمية” إلى الحكم، كما في “غرابة في عقلي” (2015)، وبالمثل تحضر إسطنبول الستينيات كما في روايته “المرأة ذات الشعر الأحمر” (2016)؛ وتشكّل حضورًا مائزًا في سيرته الذاتيّة التي حملت عنوان “إسطنبول المدينة والذكريات”، ومذكراته الأخيرة “الجبال البعيدة والذكريات”، فقد أرّخ تاريخًا شاملًا للمدينة والتطوّرات التي حلّت بها.العمل الوحيد الذي لم تحضر فيه المدينة الكوزموبوليتية إسطنبول هو رواية “ثلج” (2002)، حيث دارت أحداثها في مدينة قارص شرق الأناضول، وكانت الرواية مغايرة عمّا كتبه باموق في أعماله السابقة؛ فهي تحكي عن واقع اجتماعي وسياسي قاهر دفع الفتيات إلى الانتحار دون معرفة الأسباب، فحمّلت الأحزاب المتصارعة منافستها الأمر، إلى أن يصل البطل “كا”، وهو صحفي، إلى المدينة، فيجري حوارات مع السكان على اختلاف أيديولوجياتهم.تأتي رواية “متحف البراءة” في 83 فصلًا؛ لتُقدّم صورة متكاملة عن المدينة وهي آخذة بالحداثة الأوروبية في حقبة السبعينيات وبداية الثمانينيات، بما تحمله من أحداث جسام وانقلابات كان لها بالغ الأثر في ما قطعته المدينة من نهضة وتخلّص من ميراثها القديم. فيرصد التغيرات التي طرأت على المدينة بعد حلول ثقافة الغرب التي أتت بها الطبقة الراقية، أو ما تُعرف في التركية بالطبقة المخملية (Yüksek Sosyete)، وهي الطبقة التي أرسلت أبناءها للدراسة في أوروبا، وبعد عودتهم حملوا معهم جرثومة الحداثة. وفي سبيل هذه الحداثة تنازلوا عن كثير من العادات، ومن هنا يحدث الصراع بين الحداثة الجديدة بكل ما تحمله من تناقضات وتغريب عن الثقافة التركية أو الشرقية الإسلامية بصفة عامة، وبين المحافظين الذين ما زالوا يتمسكون بهذه التقاليد ويعتبرونها حائط الصدّ أمام هذه الحداثة التي تسلب الهوية.ومع الأسف، غابت هذه الصورة عن المسلسل باستثناء بعض الحوارات التي عكست تعلّق بعض الشخصيات بالغرب والموضة، وتحديدًا سيبال وصديقاتها، والحياة التي عاشتها سيبال مع كمال كزوجين بعد الخطوبة، وسخريتها من موضوع غشاء البكارة. ومع هذا، فقد احتفظ المسلسل بروح الرواية وكذلك حواراتها في معظم المشاهد، وهذا ما يكشف عن رؤية المخرج وكاتب السيناريو.يُخايلني، وأنا أتتبّع مسار علاقة كمال وفسون بما تحمله من تناقضات طبقيّة، وهو ما آل إلى هذه النهاية الدرامية بانتحار فسون، تساؤل مفاده: ما دافع هذا الحبّ الذي سعى خلفه كمال تاركًا تاريخ طبقته ومجدها الاقتصادي، حتى وصل الحال به إلى الخسائر المتلاحقة في المصانع، فانفصل أخوه عنه ليؤسّس مصنعه الخاص؟ بالطبع لن يكون الجواب أن كمال يبحث عن الجمال أو حتى البراءة. فسيبال، التي اختارتها أسرته لتكون خطيبته، فتاة جميلة وذات ثقافة رفيعة ومن طبقته أيضًا، وبالمثل كانت فسون فتاة جميلة لكنها من الطبقة الفقيرة. أما البراءة، فمع الأسف، فكلتاهما غير بريئتين، كما قد يتوهّم من يظنّ أنه كان يبحث عن البراءة.ففسون، في جلسة من جلساتهما بعد ممارسة الجنس، كانت تحكي له عن علاقاتها السابقة بالرجال أو الذين طاردوها. وفي فصل كامل بعنوان “أزقة إسطنبول، جسورها، طلعاتها، ساحاتها”، حكت له عن التحرّشات التي تعرّضت لها منذ أن كانت طفلة في الثانية عشرة؛ من صاحب الدكان الصغير الذي يبيع التبغ، والجار الخرّاء ذي الشاربين الذي كان يزورهم مع زوجته السمينة، وإداري مدرسة الدورات، والرجل العاطفي الرقيق السيد طورغاي، وهو أحد أصدقاء العائلة والعمل (صاحب مصنع النسيج)، الذي كان يصطحبها بالسيارة ويتبادلان القُبَل. فمثلما أقدمت سيبال، بعد عودتها من باريس، على علاقة مع كمال فقدّت بها بكارتها في بيت سعادية، فعلت فسون الأمر نفسه، ولكن في بيت نيشان تاشي. الفارق أن سيبال كانت متباهية بموجة الحداثة التي سرت في أوساط نساء الطبقة المخملية المتشبّهات بالنساء الأوروبيات، والتي لا ترى غضاضة في مضاجعة رجل قبل الزواج، أو في عدم كونها بكرًا ليلة الزفاف؛ فذلك لم يكن يمثّل مشكلة بالنسبة لها.عصر الاستهلاكتبدو الرواية أشبه بحكاية عشق بسيطة، وهو ما حرص عليه القائمون على المسلسل؛ تدور وقائعها في حي نيشان تاشي في مدينة إسطنبول، لكن عين الراوي، التي تتوازى مع عين باموق العاشق للمدينة، تأخذنا في شوارعها وأحيائها الغنية والفقيرة وأسواقها ومطاعمها ومقاهيها، وكأنه يُسجّل كل شيء خشية الاندثار. وهو ما سيحدث بعد فشل علاقته بفسون، فيعمل لها المتحف ليحفظ جميع الأشياء التي كانت شاهدة على علاقتهما معًا، كالأطباق وأدوات الطعام وأعقاب السجائر التي دخنتها، وكان عددها 4213 سيجارة، وغيرها من أشياء سيقيم لها متحفًا حقيقيًا. وهو ما حاولت النسخة الدرامية أن تنقله عبر الشاشة؛ فتم بناء موقع تصوير لأحياء إسطنبول القديمة، وركّزت المخرجة على الأزياء وموضات الشعر التي تعكس أجواء السبعينيات.لكن في الرواية كانت ثمة نبرة تهكمية من حالة التقليد لكل ما هو أوروبي، التي أخذت تنتشر في الأوساط الثرية، خاصة لدى الطلاب العائدين من باريس، وهو ما كشف عن علاقة باموق بالغرب، الذي لم ينبهر به؛ فعاش فيه باعتباره مواطنًا إسطنبوليًّا، ويقضي معظم وقته هناك (مع الأسرة أو لإلقاء المحاضرات). ومع هذا، لم يعش الحلم الأوروبي الذي ولع به الكثيرون، بل كان يشعر بالاستياء من مواطنيه الذين يتشبثون بثقافة الغرب ويسعون إلى تطبيقها في حياتهم المعيشية، كالافتخار بتأمين المشروبات الأوروبية لكل من يقيم حفلًا، وكذلك افتخار الفتيات القادمات من أوروبا بسبب الدراسة بالأخلاق الجنسية باعتبارها الأسلوب المتبع هناك. نراه ناقمًا عليهن، ورافضًا لشيوع مثل هذه الثقافة الغربية في بلاده، وأطلق عليهن “فتيات السوربون”.يُضاف إلى ذلك التحولات في العمارة الحديثة التي تخلّت عن ميراث الأجداد، وظهور العمارات العالية الحديثة على النمط الغربي، إذ كانت الرواية تدين هؤلاء. في المسلسل، كان ثمة تعليق صوتي من الراوي يتحدث عن شخصية كمال في كثير من مشاهده الصامتة مع سيبال وصديقاتها، لكنه لم ينقل الإحساس الذي وصله باموق داخل الرواية، ولا حالة الصمت التي انتابته مع اقتراب موعد خطوبته بسيبال، ولا استنكار فسون لهذا الصمت الطويل الذي كان بداية لانهيار العلاقة بينهما، وهو ما شعرت به، وكثيرًا ما سألته عنه، لكن من دون جواب؛ إذ كان يغرق في موجة من الصمت العميق؛ وكذلك نقده لعصر الاستهلاك أو التغريب المادي، وللانقلابات التي تحدث، والفساد المالي، خاصة بعد حادثة فقد طارق، والد فسون، أمواله التي أودعها في أحد البنوك؛ فلم يُجابه ذلك إلا بالصمت، ذلك الصمت الذي كان يستفز محاوره. والعجيب أن المسلسل توقّف عند رغبة فسون في قيادة السيارة وتجاربها الفاشلة للحصول على الرخصة، وكان هذا الإلحاح يمهّد لوفاة فسون في حادثة السيارة.قصة العشق تكاد تكون النسخة التركية من قصة “ليلى والمجنون” الشهيرة في التراث العربي. ولكن هنا بطلاها كمال، ابن الطبقة الأرستقراطية، حيث إن والده يمتلك أحد المصانع الذي سيؤول إليه وإلى أخيه، وفسون الفقيرة، ابنة عمه السيد طارق، مُدرّس التاريخ المتقاعد، ونسيبة الخياطة البسيطة. يقع الحب بعد لقاء كمال بفسون، بعد خطبته لسيبال بأسبوعين، بلا تدبير أو تفكير من الطرفين: “بدأت الأحداث بالمصادفة”.كانت فسون تعمل في أحد المحلات التي تعرض المنتجات الأوروبية، كنوع من الاستجابة الفورية لمتطلبات الطبقة الراقية، وإن كانت في الوقت ذاته تُجهّز لامتحان القبول في الجامعة بذهابها إلى إحدى مدارس الدورات. كما إن جمالها جعلها تدخل مسابقة ملكات الجمال، وهو الأمر الذي سيعرّضها للقيل والقال، وإن كانت قد كشفت عمّا يحدث من علاقات مريبة في هذه المسابقات. لا تقتصر قصة الحب هنا على البطلين، وإنما يمرّر الراوي قصة حب بلقيس، التي صدمتها سيارة ورحلت، وكانت عاشقة ومعشوقة، وبالمثل نورجيهان، صديقة سيبال في فرنسا.ما إن يلتقي كمال بفسون حتى يبدأ الشغف بها، وفي أول لقاء لهما، بعد أن أعادت إليه نقود الحقيبة التي اشتراها لسيبال من بوتيك شانزليزيه لصاحبته شيناي، لأنها تقليد وليست أصلية، تنشأ بينهما علاقة تامة (جمع بينهما أربعة وأربعون لقاءً جنسيًّا؛ كانا يمارسان الجنس ويكتشفان الأشياء المشتركة بينهما). ستشغل فسون عقل كمال إلى نهاية الرواية، مرورًا بزواجها من مخرج إعلانات (فريدون) يعدها بعمل فيلم لها، ثم تعود إليه بعد مرور تسع سنوات على لقائهما الأول، إلى أن تحلّ لحظة الكارثة، بعدما تولّت فسون مقود سيارة الشيفروليه 56 نحو شجرة الدلب، وكانت تلك نهايتها، ثم ما حدث بعد مرور عشرين عامًا من الحادثة.اكتشاف كمال حبه لفسون يأتي بعد اختفائها في ليلة الخطوبة، فيغدو هائمًا مهووسًا بجمع، أو سرقة، مقتنياتها البسيطة. ويضطر، إزاء تتبّع كل ما يتعلق بها، إلى ملازمة بيت عائلة فسون ثماني سنوات، يتناول العشاء قرابة 1594 مرة؛ ليراقب كل شيء، ويتأمل عينيها، والأهم ليسرق الأجزاء الصغيرة التي تحمل رائحتها، ومن ثمّ تكون نواة للمتحف الذي سيحمل اسم البراءة. في ظني أن المتحف كان حيلة لتعويض الاختفاء والافتقاد، واستحضار قصة الحب التي عصفت بكمال، الذي جلس أمام أورهان باموق في مطعم هنكار، الذي فُتح في مكان “فوآية” بعد إغلاقه، ليروي له حكايته.مع عرض المسلسل على منصة “نتفليكس” عادت التساؤلات القديمة حول حقيقة قصة الحب بين كمال بصماجي وفسون كسكين، رغم التصريحات التي أعلنها باموق من قبل، وما أورده في كتابه “الروائي الساذج والحساس” عن عدم التماثل بين شخصيته وشخصية كمال، وأن الرواية وأحداثها من بنات خياله. غير أن الشيء الحقيقي في الرواية، بعيدًا عن قصة العشق، هو الأشياء التي قام باموق بتجميعها ووضعها في المتحف؛ فهي أشياء حقيقية، لكنها لا تنتمي إلى شخصيات الرواية، وإنما إلى إسطنبول في تلك الحقبة.


