كتب:د.غسّان القيّم.حين نقف أمام المحفوظات الكتابية المكتشفة في القصر الملكي بمدينة أوغاريت.


حين نقف أمام المحفوظات الكتابية المكتشفة في القصر الملكي بمدينة أوغاريت  لا نقف أمام ألواحٍ طينية صامتة فحسب  بل أمام قلبٍ نابضٍ لمدينةٍ كانت تعرف كيف تحفظ ذاكرتها من الضياع وكيف تجعل من الطين كتاباً  ومن المسمار صوتاً ومن الأرشيف وطناً لا تحرقه النيران بسهولة.هناكفي الطابق العلوي لذلك القصر العظيم حيث كانت الرياح البحرية القادمة من  ميناء رأس شمرة تمرّ بين النوافذ الحجرية  كانت غرف المحفوظات الخمس ترقد كمعابد صغيرة للمعرفة.الغربية.. والشرقية.. والمركزية.. والجنوبية والجنوبية الغربية.أسماء تبدو اليوم كاتجاهات جغرافية  لكنها كانت في الحقيقة شرايين مملكة كاملة تحفظ نبض الاقتصاد  وأسرار السياسة، وهمسات الملوك  وعقود الأراضي  ورسائل الحبّ الملكية  وحتى تراتيل الموسيقى الحورية التي نجت من الرماد بأعجوبة.لقد عرف كتبة أوغاريت  أولئك النساخون الجالسون تحت ضوء الزيت المرتجف أن الحضارة لا تُبنى بالسيف وحده  بل باللغة أيضاً.فأمسكوا بلغتين كما يمسك البحّار مجدافين في بحرٍ واحد:الأكادية.. لغة الدبلوماسية والإمبراطوريات والمراسلات الدولية.والأوغاريتية.. لغة الأرض والناس والقمح والزيت والتراتيل القديمة.يا لها من مدينة مدهشة.كانت تكتب بالمسمارية المقطعية حين تتحدث إلى العالم.وتكتب بأبجديتها المسمارية الخاصة حين تحدث نفسها.ومن بين تلك الرقم الطينية نسمع وقع خطوات الحياة اليومية:قوائم قمحٍ وشعير.جرار خمرٍ وزيت زيتون.أقمشة وأسلحة وعربات.أسماء قرى وعمّال ورعاة..وكأن المدينة بأكملها كانت تترك ظلها مطبوعاً فوق الطين قبل أن يبتلعه الزمن.أما المحفوظات المركزية  فتبدو كأنها خزنة الروح السياسية لأوغاريت.هناك نامت عقود السلالة الحاكمة مختومة بالأختام الملكية  شاهدة على ملكية البيوت والحقول والبساتين  وعلى شبكة العلاقات التي نسجت مملكة أوغاريت في عصر البرونز الحديث.ومن بين تلك الوثائق  تخرج إلينا الملكة الشهيرة “أخت ملك” كطيفٍ ملكيّ معطّر بالبخور، عبر قوائم جهاز عرسها المدوّنة بالأكادية، كأن التاريخ أراد أن يخبرنا أن حتى الفرح كان يُوثَّق في أوغاريت.ثم تأتي النصوص الحورية الموسيقيةآه .. تلك الكسرات الصغيرة التي حملت أنفاس الموسيقى الأولى في العالم.كأن أوغاريت لم تكتفِ بأن تعلّم البشرية الأبجدية  بل أرادت أيضاً أن تترك لها نغمةً خالدة  ترتجف بين أصابع العازفين بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام.وما يدهش في تلك المحفوظات ليس كثرتها فحسب  بل نظامها أيضاً.فكل مستودع كان أشبه بعقلٍ منظم بدقة يعرف أين تحفظ المعاهدات  وأين تنام النصوص الاقتصادية  وأين ترقد المراسلات القادمة من الحثيين  وأين تُخبأ النصوص الدينية والتنجيمية.وكأن القصر الملكي لم يكن مجرد مقر حكم بل جامعة كبرى  ومركز أرشفة ودار معرفة تسبق زمنها بقرون طويلة.لقد احترقت المدينة في النهاية. وسقطت الأسقف وانهارت الجدران وغاب الملوك السبعة الأخيرون في دخان الكارثة الكبرى.لكن النار نفسها  التي أرادت إفناء أوغاريت قامت دون أن تدري بشيءٍ معاكس تماماًفقد شيّت الرقم الطينية  وحوّلتها إلى ذاكرة خالدة عصيّة على الفناء.وهكذا بقيت أوغاريت تتكلملا بصوت الجنودولا بضجيج المعاركبل بصوت ناسخٍ مجهولكان يجلس ذات مساء على شرفة القصر الملكي.ويغرس مسماره الصغير في الطين الرطب غير مدرك أن العالم بعد آلاف السنين سيقرأ ما كتبه كما تُقرأ تراتيل الفجر المقدسة.


عاشق أوغاريت…غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐   𐎍𐎖𐎊𐎎

أخر المقالات

منكم وإليكم