كتبت: سحر الزارعي.في بوح السحر..عن رحيل الفنان عبدالله جابر.بعض الفنانين لا يورّثون لوحات… بل يورّثون ذاكرة.

بعض الفنانين لا يورّثون لوحات… بل يورّثون ذاكرة. 

منذ يومين، وأنا أقف أمام خبر رحيل الفنان عبدالله جابر… ولا أعرف كيف أرثيه.

لمن تكون التعزية؟ لأسرته؟ أم للفنانين الذين عرفوا تلك الأيام؟ أم لذاكرةٍ كاملة بدأت تتساقط منها الأسماء واحدًا تلو الآخر؟

لم ألتقِ بعبدالله منذ أكثر من عشرين عامًا، لكن بعض الناس لا يقيمون في حاضرنا، بل في بداياتنا. وحين يرحلون، لا نستعيدهم وحدهم، بل نستعيد زمنًا كنا نظن أنه ما زال ينتظرنا.

عرفته في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، في وقتٍ كان الفن يُصنع بالشغف قبل كل شيء. لم نكن نعمل من أجل مقابل، بل لأننا كنا نؤمن أن الفن يستحق أن نمنحه شيئًا من أعمارنا. وكان عبدالله واحدًا من أولئك الذين اختاروا أن يتركوا أثرهم في التفاصيل التي لا يلتفت إليها كثيرون، في الشعار الذي يختصر الفكرة، وفي هوية المعرض التي تسبق اللوحات، وفي المطبوعات التي تحفظ ذاكرة كل معرض. كان يصنع ما يبقى، ثم يمضي بهدوء.

ومع مرور السنوات، أدركت أن بعض الفنانين لا يورّثون لوحاتٍ فقط، بل يورّثون ذاكرة. وأن هناك من يصنع المشهد الفني من خلف الستار، فلا يعرف الناس اسمه كما ينبغي، لكن كل من عاش تلك المرحلة يعرف أن بصمته كانت حاضرة.

لهذا، لم يكن خبر رحيله بالنسبة لي خبر وفاة شخص فقط، بل شعورًا بأن صفحةً من زمنٍ جميل قد طُويت… زمنٍ كانت فيه المحبة لغة الفنانين، وكان العطاء للفن غايةً لا وسيلة.

رحم الله الفنان عبدالله جابر، وجعل جميل أثره شاهدًا له. وخالص العزاء لأسرته الكريمة، ولأصدقائه، وللأسرة الفنية، ولكل من عرفه أو عمل معه، ولكل من يمر من هنا ويؤمن أن الإنسان قد يرحل، لكن الأثر الصادق لا يرحل أبدًا.

#بوح_السحر⁩

أخر المقالات

منكم وإليكم