في أعمال فؤاد حمدي..
الكائن بوصفه بنية ميكانيكية!
دنيا فهمي، تونس
تتجاوز بعض التجارب التشكيلية حدود الموضوع الذي تعالجه، لتصبح هي نفسها موضوعا للقراءة. هذا ما يحدث في أعمال فؤاد حمدي. فالمشهد، على الرغم من كثافة مفرداته، يدفع العين إلى البحث عن القانون الذي ينتظم الإنسان والحيوان والعنصر الصناعي داخل بنية واحدة. وما إن تبدأ هذه العلاقات بالانكشاف حتى تتراجع أهمية المفردة المنفردة، ويبرز النسق الذي يجمعها بوصفه البطل الحقيقي للتجربة.
وتفتح هذه الأعمال بابا لمقاربة تتقاطع مع السريالية، دون أن تتوقف عند حدودها التاريخية. فقد حمل سلفادور دالي ورينيه ماغريت السريالية إلى فضاءات الحلم والمفارقة، بينما تمضي تجربة فؤاد حمدي في اتجاه مختلف، ينشغل بإعادة تنظيم العالم وفق نظام داخلي شديد الانضباط، حتى تبدو كل مفردة وكأنها تؤدي وظيفة دقيقة داخل منظومة واحدة.
من هذه الزاوية يكتسب الكائن حضوره المختلف. تتشكل هويته عبر بنية تحكمها شبكة دقيقة من العلاقات، وتتراجع الملامح التقليدية إلى مرتبة ثانية أمام النظام الذي ينتظم أجزاءه. وتشارك الأنابيب، والمفاصل، والأقواس، والأجزاء المعدنية، في صياغة هذا النظام، فتتحول من مفردات شكلية إلى عناصر فاعلة في بناء المعنى. وهكذا يغدو الجسد مدخلا إلى فكرة أوسع، تتجاوز حدود التشريح، وتتجه نحو مساءلة البنية التي تمنح الكائن وجوده ووظيفته داخل اللوحة.
ويكشف التكرار المستمر لهذه المفردات عن معجم بصري شديد الخصوصية. فالأنبوب يتجاوز حضوره كعنصر منفرد، والمفصل يغادر موقعه كتفصيل تشريحي، والكتلة الهندسية تتقدم بوصفها جزءا من بنية المعنى. جميعها تتحول إلى مفردات في لغة واحدة، تتكرر بصيغ مختلفة، حتى تغدو قادرة على إنتاج معناها من داخل العلاقات التي تنشئها. وهنا تتجاوز اللوحة حدود المشهد المفرد، لتعلن عن مشروع بصري يمتلك لغته الخاصة، ويعيد إنتاج مفرداته ضمن نسق متماسك.
إن إحدى أكثر النقاط إثارة في هذه التجربة تكمن في قدرتها على الجمع بين ثلاثة مسارات تبدو متباعدة:
الواقعية تمنحها دقة البناء، والسريالية توسع أفق الصورة، والخيال الصناعي يرفدها بمعجم ميكانيكي متماسك. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التلاقي لا تكمن في اجتماع هذه المرجعيات، وإنما في انصهارها داخل رؤية واحدة، حتى يصعب النظر إلى أي منها بمعزل عن الآخر.
وقد يقود الحضور الميكانيكي إلى ربط التجربة بعالم الآلة، غير أن التأمل يكشف مسارا أكثر عمقا. فالآلة تدخل في نسيج الكائن، وتصبح جزءا من تعريفه البصري والفكري. ومن هنا يكتسب الإنسان بعدا جديدا، قوامه الوظيفة والعلاقة، أكثر من اعتماده على الهيئة الخارجية أو الوصف التشريحي.
*****
الأعمال المرفقة من صفحة الفنان:
فؤاد حمدي


