كتب:أسامة عبد الكريم.عن مهرجان الفيلم الوثائقي في نيويورك DOC NYC- مشاركة: سمرمحفوض

مهرجان الفيلم الوثائقي في نيويورك:
أكبر منصّة للسينما الوثائقية في أمريكا
أسامة عبد الكريم ــ مجلة « سومر» السينمائية
يواصل مهرجان نيويورك للفيلم الوثائقي DOC NYC ترسيخ مكانته كأكبر وأهم منصّة مخصّصة للسينما الوثائقية في الولايات المتحدة، وواحدة من أبرز الفعاليات العالمية التي تعيد تعريف هذا الفن وتوسّع آفاقه عاماً بعد عام. وقد اختُتِمت دورته الأخيرة في 30 أكتوبر بعد امتدادها من 12 إلى 30 من الشهر نفسه، مقدّمةً برنامجاً غنياً يعدّ من الأكثر تنوّعاً وجرأة في تاريخ المهرجان. وعلى مدى نحو ثلاثة أسابيع، تحوّلت نيويورك إلى فضاء سينمائي متوهّج يجمع المخرجين والمنتجين والنقاد والجمهور في سلسلة من العروض والندوات وحلقات النقاش التي تناولت موقع الوثائقي اليوم، وحدود قدرته على مساءلة الواقع وإعادة تخيّله.
يكتسب المهرجان أهميته من كونه منصة سنوية للكشف عن الاتجاهات الجديدة في صناعة السينما الوثائقية، إذ يقدّم في كل دورة طيفاً واسعاً من الأعمال التي تتنوّع بين السرد الشخصي والتجارب الفنية الطليعية والأفلام التحقيقية العميقة. كما يمثّل نقطة التقاء رئيسية لصنّاع الأفلام المستقلين، ويستقطب المؤسسات الإعلامية الكبرى وشركات البث التي باتت تعتمد عليه لاكتشاف مشاريع واعدة وجذابة. ، كما مرّت عبره 49 من أصل 55 فيلماً من الأفلام المرشحة للجائزة نفسها، ما يجعل منه بوابة شبه مؤكدة نحو أهم تتويج سينمائي في العالم. وإلى جانب العروض السينمائية، يقدّم DOC NYC برنامجاً مهنياً متكاملاً عبر منصة DOC NYC PRO، التي تضم ورش عمل ودورات تدريبية ولقاءات صناعية مخصصة لمئات من العاملين في قطاع الإعلام، مما يجعل المهرجان مركزاً إنتاجياً ومعرفياً لا يقل أهمية عن كونه حدثاً فنياً رفيع المستوى. كما يشكّل المهرجان محطة رئيسية لإطلاق الأفلام الوثائقية نحو خارطة الجوائز العالمية، إذ احتضن على مدار السنوات الماضية العديد من العروض العالمية الأولى لأفلام شقّت طريقها لاحقاً نحو جوائز الأوسكار، ليصبح بذلك بوابة عبور أساسية نحو المحافل الكبرى. ويتجلّى هذا الدور أيضاً في قدرته على بناء جسور بين ثقافات متعددة، إذ يعرض سنوياً أعمالاً من مختلف بلدان العالم، ما يثري النقاش حول الوثائقي كأداة سردية تتجاوز الحدود القومية والجغرافية.
وقد شاركت دورات المهرجان الأخيرة في عرض مجموعة من الأفلام اللافتة التي أبرزت اتساع لغة الوثائقي وتنوّع مقارباته السردية والبصرية. من بين هذه الأعمال فيلم «الذاكرة الأبدية»، الذي يرافق صحفياً تشيلياً يفقد ذاكرته تدريجياً بفعل ألزهايمر، بينما تقود زوجته رحلة مقاومة النسيان، مقدّماً مثالاً على الوثائقي الإنساني الذي يمزج الحميمي بالتاريخي. كما برز «شباب مسروق: داخل الطائفة» بوصفه عملاً تحقيقيًا يتوغّل في بنية الاستغلال النفسي داخل مجموعة جامعية مغلقة، معيداً إلى الواجهة قوة الوثائقي في كشف الانتهاكات المعقّدة. أما «جزيرة في المنتصف» فاستكشف المنطقة الفاصلة بين تايوان والصين من خلال تأمل بصري رصين يلتقط الهويات المرتبكة في ظل تحولات سياسية متسارعة. وفي «من دون قص»، استعاد المهرجان إرث المصوّر الأسطوري جيم مارشال عبر أرشيف بصري يمتد لخمسة عقود من الموسيقى والثقافة الأمريكية، مسلطاً الضوء على قدرة الصورة على تشكيل ذاكرة جيل كامل. بهذه الدورة الاستثنائية، يؤكد مهرجان نيويورك للفيلم الوثائقي مجدداً أنه ليس مجرد حدث سنوي، بل منظومة ثقافية وصناعية متكاملة تساهم في إعادة رسم ملامح الفيلم الوثائقي المعاصر، وتفتح المجال أمام جيل جديد من الأصوات التي تعيد صياغة علاقتنا بالواقع عبر فن الصورة.

أخر المقالات

منكم وإليكم