محمود شقير: “دون كيشوت” المقدسي!يوسف الشايب
تمثل رواية “رنين الأسماء: دون كيشوت المقدسي” للأديب الفلسطيني محمود شقير (دار طباق في رام الله/ 2026)، مغامرة سردية استثنائية في أدب الفتيات والفتيان، حيث تشتبك مع الواقع الفلسطيني المعاصر بمرارة ووعي، مستلهمة واحدة من أهم الشخصيات العالمية لإعادة إنتاجها في سياق مقدسي خالص. يبدأ النص بوضعنا أمام فلسفة العنوان التي تتجاوز مجرد النداء لتصبح “قدرًا” مرتبطًا بالهوية؛ فالبطل “فارس” لم يُسمَّ عبثًا، بل كما يقول والده الأسير: “أنا سميتك بهذا الاسم لكي تكون فارسًا في العلم وفي الأخلاق وفي رفض الظلم”، ومن هنا، ينطلق شقير في توظيف رمزي لافت لشخصية “دون كيشوت”، محولًا إياها من ملاحق لطواحين الهواء الإسبانية إلى بطل مقدسي يواجه وحوشًا حقيقية تتمثل في المحتل، والمتنمرين، وتجار السموم.العنوان “رنين الأسماء” ليؤكد على القيمة الصوتية والمعنوية للأسماء التي اختارها الأبطال لأنفسهم لتناسب “شرف الفروسية”.تتحرك الحكاية الأساسية في زمن عطلة الشتاء لعام 2023-2024، وهي الفترة التي شهدت حرب الإبادة على قطاع غزة، ما جعل الرواية تفيض بدلالات إنسانية عميقة، بحيث يقرر فارس في لحظة وعي فارقة أن يصنع “مأثرة تُكسبني شُهرة بين الناس، وتخلّد اسمي”.وتتجلى عبقرية شقير في ربط هذا الخيال بالواقع القاسي؛ فالحرب على غزة تحضر كخلفية مأساوية دائمة تجعل فارس يشعر بالأسى لأن أقرانه هناك “أصبحوا مشردين في الخيام”، ويصل به الأمر إلى العجز عن تذوق الطعام وهو يفكر في “ملايين الأطفال الجياع في بلاده وفي العالم”. وتعمل الحكايات الموازية كخيوط تنسج ثوبًا من المقاومة الأخلاقية والاجتماعية الشاملة، كحكاية الأب الأسير (رشيد)، وتمثّل غياب السند المادي وحضور النموذج القدوة، كما تجسّد معاناة آلاف العائلات الفلسطينية؛ وحكاية “شمران” المتنمّر، وهي حكاية موازية عن الإصلاح الاجتماعي، حيث يتحول المتنمر إلى صديق، ما يرمز إلى قدرة القيم النبيلة على تغيير المجتمع من الداخل؛ علاوة على حكايات الحرب على غزة التي تحضر كخلفية مأساوية دائمة عبر شاشات التلفاز وتعمل كمنبّه أخلاقي لفارس.تكتسب الشخصيات في الرواية أبعادًا رمزية مكثفة؛ ففارس هو جيل “دهر الدهور” الذي يحاول استرداد الفعل المسلوب عبر أدوات بسيطة كـ “طنجرة” المطبخ التي استحالت خوذة، وعصا المكنسة التي أصبحت رمحًا، مؤكدًا لنفسه: “بهذا الرمح يا دهر الدهور ستهزم الأشرار”، ويبرز “بولس” (المهاتما غاندي) كشريك في الفروسية يمثل التعددية الوطنية والنهج السلمي، بينما تظل “رباب” (دعد) هي الملهمة والوعي الثقافي الذي يبارك الانتصارات، وفي المقابل، يبرز “الكابتن شمشون” كأداة قمع تحاول اختزال النشيد الوطني في كونه “دعوة للتخريب”، ليرد عليه الفارس بحزم: “بل فيه دعوة للبناء”.من الناحية الفنية، يتكئ شقير على تقنيات سردية بارعة، أبرزها تداخل الحلم بالواقع؛ فالأحلام في الرواية ليست هروبًا، بل هي مختبر للبطولة، حيث يرى فارس نفسه “فوق صهوة فرسه لمقارعة الشر والأشرار”، كما يوظف الكاتب الأسلوب الحواري لتعميق الوعي السياسي، مثل حوار الأسماء الفلسطينية الأصيلة مقابل الأسماء الدخيلة، حيث يؤكد الأطفال أن “أورشليم” هي “القدس” و”شخيم” هي “نابلس”، ويحسب للرواية قدرتها على “أنسنة” البطل؛ فهو ليس كائنًا خرافيًا، بل طفل يقر بأنه “حتى الإنسان الشجاع يخاف”.تتجلى في “رنين الأسماء” بصمة محمود شقير كقاص محترف قبل أن يكون روائيًا، حيث اعتمد تقنية سردية تقوم على تقسيم الرواية إلى وحدات مشهدية قصيرة ومكثفة تشبه في بنائها القصة القصيرة، وهذا الأسلوب “القصصي” في البناء الروائي يمنح النص إيقاعًا سريعًا يتناسب مع أدب الفتيان، حيث يحمل كل فصل عنوانًا مستقلًا (مثل: ليل، حلم آخر، بثينة، في الساحة، الكابتن، وغيرها)، ويعالج موقفًا دراميًا محددًا ينتهي غالبًا بقفلة تحمل دلالة رمزية أو تربوية.وبما أن شقير قاص بالأساس، فقد استثمر مهارته في تكثيف اللحظة لجعل كل حكاية موازية، كحكاية التنمر مع شمران أو مواجهة الكابتن، بحيث تبدو وكأنها لوحة قصصية مكتملة الأركان لكنها تخدم المجرى العام للرواية.هذا التقطيع السردي يعكس قدرة شقير على تطويع أدوات القصة القصيرة لبناء عالم روائي ممتد، ما يجعل القراءة عملية بصرية متدفقة تشبه تتابع المشاهد السينمائية، ويسمح بتعدد الرؤى والأصوات داخل إطار الحكاية المقدسية الواحدة.وتتجلى في الرواية مكانة محمود شقير كحارس سردي لمدينة القدس المقدسي المعاصر، حيث لم يكن استحضار هذه الشخصية مجرد ترف أدبي، بل كان وسيلة مبتكرة لتقديم “الفروسية الأخلاقية” كفعل مقاوم. فتحويل “طنجرة” المطبخ إلى خوذة وعصا المكنسة إلى رمح، مثلًا، ابتكار سردي يمزج بين الفانتازيا والواقعية، ما يمنح النص نكهة تجريبية تتجاوز المألوف في أدب الفتيان التقليدي.وهنا، يثبت شقير أنه مواكب للحظة الراهنة بأدق تفاصيلها؛ ففي الرواية نجد اشتباكًا مباشرًا مع أحداث “السابع من أكتوبر” 2023 والحرب على غزة، وهذا “النفس الشبابي” في الكتابة يظهر في إقحام التطور الحضاري كالهواتف المحمولة في بنية النص، وفي رصد مشاعر جيل “الآيباد” والإنترنت وهو يواجه قضايا كبرى كالاعتقال والتهجير.وعلى الرغم من المثالية التي قد تبدو في سرعة تحول بعض الشخصيات، إلا أن الرواية تظل وثيقة أدبية حيّة تشتبك مع الراهن بصدق، وتشير بوضوح إلى أن المقاومة ليست فعلًا فرديًا ينتهي بانتهاء صاحبه، بل هي تتابع أجيال.ويمكن القول إن الرواية عبارة عن صرخة مقدسيّة تحتفي بالقيم النبيلة، تؤكد أن البطولة الحقيقية تكمن في القدرة على احتمال الآخرين والثبات على الحق، تمامًا كما لخّصها فارس في ختام رحلته قائلًا: “الحياة هي وقفة عز وكرامة وشرف ووفاء”. #ضفة ثالثة#مجلة ايليت فوتو ارت…


