هل ينبغي أن أتخلى عن شطحات فكري لأنني تجاوزتُ الثمانين؟ هل أكفّ عن نزواتي وشقاوتي، وأستسلم لصورة الشيخ الذي لا يليق به إلا السكون والوقار؟
يقولون إن عُمر الثمانين فما فوق عمرُ هدوءٍ ووقارٍ، أما أنا فأراه ذروة الحرية؛ أن تفعل ما تؤمن به دون خوفٍ أو تردد، ودون اكتراثٍ كبير لأحكام الآخرين. فمثلاً، لن أُقايض صخب الحياة ومشاكستها بجلوسٍ باهت على كرسي في قاعة أو على مقعد في حديقة. كما أنني لن أحوّل بيتي إلى قاعة انتظار للموت، خاصةً وأنني ما زلت أشعر بأن الشمس تشرق كل صباح من أجلي ومن أجل حبيبتي.
إن التجاعيد التي خطّها الزمن على وجهي ما هي إلا آثار معارك خضتُها؛ انتصرت في أكثرها، وتعلمت من الباقي. لن أرفع الراية البيضاء استسلاماً، وسأُبقي جموح مخيلتي بوصلتي في مواجهة رتابة الأيام، وأحتفظ بنزواتي الصغيرة وقوداً يُبقي قلبي نابضاً بالشغف.
ما زلت أرى العالم بعين طفلٍ يتساءل من أين أتى، ويقتنع برواية أمه. ما زلت أملك الجرأة لأضحك من كل قلبي، وأخالف التوقعات، وأعشق التفاصيل التي يمر بها الآخرون عابرين. شقيٌّ أنا، وأرفض أن تكون الشقاوة حكراً على الطفولة؛ إنها متعةٌ للروح، وحصانةٌ لها في جميع الأعمار، بما فيها الشيخوخة.
لن أعتذر عن رغبتي في الرقص كلما عُزفت الموسيقى لحناً جميلاً، أو عندما أُصاحب أمَّ كلثوم في أغانيها بصوتي الأجش. ولن ألتزم بوقارٍ فرضته التقاليد حين ربَطتْ التقدم في العمر بالانطفاء.
سأظل مشاغباً، ممتداً كالأفق، لا يحدّني حد. أعيش ما تبقى لي من حياة بكامل عنفواني. قد يتعب الجسد، لكن الروح العاشقة للحياة تظل شابة، عصيّة على الانكسار، وحرة حتى آخر نبضة قلب.
الثمانون ليست نهاية الطريق، بل محطة أخرى أنطلقتُ منها بخفةٍ أكبر، وقلبٍ متحفز أكثر، وعقلٍ يزيد فضولا واتساعاً كلما تقدمت به السنون.


