لماذا نرسم؟
فراس الحلي، باحث وفنان تشكيلي
كم مرة توقفت أمام عمل فني، أعجبك، ثم واصلت طريقك وكأن شيئا لم يكن؟ ربما لم يخطر ببالك أن خلف تلك الصورة إنسان اقتطع جزء من عمره، وأنفق من وقته وماله وجهده، ليمنحك لحظة قد لا تتكرر.
في كل مرة يمسك فيها فنان فرشاته، ثمة شيء أكبر من لوحة يبدأ بالتشكل. إنه يقتطع جزء من حياته، ويقدمه للعالم دون أن يعرف إن كان العالم سيمنحه دقيقة من اهتمامه.
نرسم لأن بعض المشاعر أعقد من أن تكتب، وبعض الحكايات أصدق من أن تروى بالكلمات. نرسم لأن اللون يحتفظ بما تعجز الذاكرة عن الاحتفاظ به، ولأن الإنسان منذ أن خط أول أثر على جدار كهف، كان يبحث عن طريقة يقول بها: كنت هنا… وشعرت بهذا.
الفنان الحقيقي لا يدخل مرسمه وهو يحسب عدد الإعجابات، ولا يقيس قيمة عمله بما سيعود عليه من ربح. كثير من اللوحات تبدأ بفكرة صغيرة، ثم تتحول إلى أيام طويلة من البحث، والتجريب، والشك، والإعادة، ومئات الساعات التي لا يراها أحد. ألوان، وقماش، وفرش، وإطارات، وكتب، وسفر، وخبرة تتراكم عبر سنوات، وكل ذلك يدفع ثمنه الفنان وهو يعلم أن المقابل قد لا يأتي أبدا.
ومع ذلك… يستمر.
لأنه يؤمن أن الفن ليس سلعة، بل أثر يتركه الإنسان في زمنه. يؤمن أن لوحة واحدة قد تحفظ ذاكرة شعب، أو تواسي قلب مكسور، أو توقظ سؤال ظل نائما في عقل إنسان سنوات طويلة.
لكن الحقيقة التي قد لا نلتفت إليها أن العمل الفني لا يكتمل لحظة يوقع الفنان اسمه في زاوية اللوحة. لحظة الاكتمال تبدأ عندما تقف أمامها عين ترى، وعقل يتأمل، وقلب يستجيب. عندها تنشأ علاقة صامتة بين الفنان واللوحة والمتلقي، ويصبح كل طرف جزء من حكاية الآخر. فاللوحة لا تعيش فوق القماش وحده، وإنما تعيش أيضا في الوجدان الذي تستقر فيه.
المفارقة أن كثيرين يستمتعون بما يصنعه الفن، لكنهم يمرون أمامه كما لو أنه وجد وحده. يشاهدون، ثم يغادرون بصمت، وكأن خلف ذلك العمل لم يكن هناك إنسان أمضى سنوات من عمره حتى وصل إلى تلك اللحظة.
وليس المطلوب من الجميع أن يشتروا لوحة، أو أن يصبحوا نقادا أو خبراء في الفن. أحيانا تكون أبسط أشكال التفاعل أكثرها قيمة. كلمة صادقة، تعليق يحمل فكرة، مشاركة تصل بالعمل إلى شخص آخر، أو حتى إعجاب بسيط لا يستغرق ثانية واحدة. قد يبدو ذلك أمرا عابرا، لكنه بالنسبة لفنان يعمل في صمت يعني أن رسالته وجدت من استقبلها، وأن ما صنعه لم يذهب مع الريح.
الفن لا يعيش بالفنان وحده، كما أن اللوحة لا تكتمل دون متلقي يمنحها فرصة للحياة من جديد. وكل حضارة احتفت بفنانيها، كانت في الحقيقة تحتفي بذاكرتها، وهويتها، وقدرتها على أن تترك للأجيال القادمة ما هو أبقى من الحجر والمال.
لهذا نرسم.
نرسم لأن الجمال يستحق أن يجد من يراه، والفكرة تستحق أن تجد من يتأملها، والإنسان يستحق أن يترك وراءه أثرا يتجاوز عمره. وربما لن يغير تفاعل بسيط العالم، لكنه قد يمنح فنان سبب آخر ليواصل، ويمنح عملا جديدا فرصة لأن يولد.


