المقال المنشور لي في جريده الأيام نيوز الجزائريه في ملف نوعي
ـ كل الشكر والتقدير للفنان الدكتور عامر الخطيب صاحب الفضل في هذا النشر
- وكل الشكر لأسرة تحرير وإدارة الجريدة
هل نقرأ الأدب أم نقرأ الأديب؟
بقلم: علي نفنوف
كاتب سوري
ثمة فضول قديم يرافق القراءة.
نحن لا نكتفي غالبا بما تقوله الكلمات وما يطرحه الادب. نريد أن نعرف اليد التي كتبتها. من هو هذا الذي جعلنا نبكي في منتصف قصيدة، أو نغلق كتابا ونبقى ساعات نفكر في جملة عابرة؟
نبحث عن وجه الكاتب خلف الصفحة. وبين دفتي الكتاب
فمهما كان صادقا، لا يقول كل شيء. إنه يفتح الباب ويتركنا أمام غرفة أخرى. وهناك يبدأ فضولنا. ماذا يفعل هذا الرجل حين يعود إلى بيته؟ كيف يحب؟ كيف يغضب؟ هل يشبه كلماته؟ أم أن الكلمات كانت أجمل منه؟
منذ زمن بعيد ونحن لا نقرأ الكتب وحدها، بل نقرأ أصحابها أيضا.
نفتش في طفولة الشاعر، وفي حياة الروائي، وفي علاقات الفنان ومواقفه وأخطائه. نريد أن نعرف الإنسان الذي يقف خلف العمل، وكأن النص لا يكتمل إلا حين نضع إلى جواره صورة صاحبه.
لكن المشكلة أن القارئ، في أثناء ذلك، يبدأ بصناعة كاتب آخر.
يأخذ من القصيدة ملامح، ومن مقابلة صحفية ملامح أخرى، ومن صورة منشورة على صفحة شخصية شيئا من الضوء، ثم يكمل الباقي من خياله.
وهكذا يصبح الكاتب، بعد سنوات، شخصا لا يعرفه حتى الكاتب نفسه.
نحن نفعل ذلك مع الشعراء أكثر مما نعترف. نقرأ قصيدة عن الحب فنمنح صاحبها قلبا مثاليا. يكتب عن الحرية فنفترض أنه لا يخاف. يكتب عن الفقراء فنعتقد أنه يعيش وجعهم. يكتب عن امرأة فنبحث عنها في حياته.
كأن الكتابة محضر تحقيق.
لكن القصيدة ليست شهادة شخصيةولا سيرة ذاتية ، والرواية ليست اعترافا، واللوحة لا تقول دائما ما كان عليه الفنان.
أحيانا نكتب عما نفتقده.
نكتب عن الحب لأننا جائعون إليه. عن الحرية لأن شيئا ما يقيدنا. عن الوطن لأننا بعيدون عنه. عن الجمال لأن القبح يحيط بنا من كل الجهات.
الكاتب لا يكتب فقط ما يعرفه، بل يكتب أيضا ما يتمنى أن يعرفه.
وهنا تكمن إحدى غرائب الأدب.
قد يكون الإنسان أقل جمالا من كلماته، لكنه كتبها لأنه كان يريد أن يصبح أجمل.
وقد يكون أضعف من بطله، وأكثر خوفا من القصائد التي كتبها عن الشجاعة.
ليس في ذلك بالضرورة كذب.
فالإنسان لا يكتب دائما سيرته، يكتب أحيانا سيرته التي كان يتمنى أن يعيشها.
ومع ذلك، لا يمكن أن نقطع الحبل تماما بين الكاتب ونصه.
لا شيء يولد من فراغ.
في اللغة شيء من ذاكرته، وفي اختياراته شيء من خوفه، وفي الصور التي يكررها سر قديم لا يعرفه أحد. ربما لا نستطيع أن نقول إن النص هو الكاتب، لكننا نستطيع أن نعثر فيه على أثره.
مثل رائحة تبقى في غرفة بعد أن يغادرها صاحبها.
النص لا يكشف الإنسان كله، لكنه لا يستطيع أن يخفيه تماما.
ولهذا يبدو السؤال أكثر تعقيدا مما نتصور.
إلى أي حد يجب أن نعرف الكاتب كي نقرأه؟
وهل معرفتنا به تساعدنا على فهم النص، أم تفسده؟
أحيانا يحدث أن أحب قصيدة، ثم أتعرف إلى صاحبها، فأعود إلى القصيدة بحذر.
لا لأن الكلمات تغيرت، بل لأنني أنا الذي تغيرت.
تدخل حياة الكاتب إلى النص دون استئذان. موقف سمعناه عنه، حكاية، خصومة، منشور غاضب، أو حتى طريقة تعامل عابرة مع شخص ما. فجأة تصبح الكلمات التي أحببناها موضع شك.
هل كان يقصد ما كتب؟
هل كان يؤمن به؟
ولماذا نطرح هذا السؤال أصلا؟
ربما لأننا لا نريد من الكاتب أن يكتب الحقيقة فقط، على أن يعيشها.
وهذا طلب إنساني، لكنه مستحيل في كثير من الأحيان.
فالكاتب ليس قديسا.
والموهبة ليست شهادة حسن سلوك.
أن تكتب نصا عظيما لا يعني أنك إنسان عظيم. وأن ترسم لوحة عن السلام لا يعني أنك أكثر البشر سلاما. اللغة موهبة، أما الأخلاق فمعركة أخرى.
وهنا يختلط الأمر على بعض المبدعين أيضا.
حين تتحول الموهبة إلى شعور بالتفوق، يبدأ الكاتب في تصديق الصورة التي صنعها الآخرون له. يصفق الناس، فتتضخم المرآة. ويكتب عن الإنسان، فينسى أنه واحد منهم.
وما أكثر الذين يطالبون الآخرين بالتواضع من فوق أبراجهم.
الثقة بالموهبة حق.
أما الغرور بها فشيء آخر.
المبدع ليس أفضل من الآخرين لأنه يعرف كيف يرتب الكلمات. ربما يكون أكثر قدرة على التعبير، لكن ذلك لا يجعله أكثر حكمة، ولا أكثر رحمة، ولا أقل خطأ.
وهل يجب أن يكون الأديب قدوة؟
لا أعرف.
ربما لا.
لا أريد من الشاعر أن يعيش في هيئة ملاك كي أصدق قصيدته. ولا أريد أن أفتش في حياته عن سجل من الفضائل قبل أن أفتح كتابه.
لكنني، في المقابل، لا أؤمن بأن الأدب يمنح صاحبه حصانة.
هناك فرق بين إنسان يكتب عن قيمة لأنه يحلم بها، وبين آخر يجعل من القيم قناعا.
فرق بين من يعترف بضعفه، ومن يتاجر بالجمال.
وهذا الفرق لا تستطيع اللغة وحدها أن تخفيه إلى الأبد.
في النهاية، نحن بشر، ونريد أن نصدق من نحب.
ولهذا تكون خيبتنا كبيرة حين نكتشف أن الشاعر الذي أحببناه ليس كما تخيلناه.
لكن، هل هو المسؤول عن خيبتنا دائما؟
أم أننا نحن الذين صنعنا له وجها ثم غضبنا لأنه لم يشبهه؟
القارئ، في كثير من الأحيان، لا يذهب إلى لقاء الكاتب ليكتشفه. يذهب وفي ذهنه كاتب جاهز، ثم يبدأ بمقارنة الرجل الذي أمامه بالرجل الذي يسكن خياله.
إن تطابقا شعر بالراحة.
وإن اختلفا شعر بالخيانة.
مع أن الكاتب لم يعده بشيء.
ربما قال قصيدة فقط.
في زمننا أصبحت المسألة أكثر التباسا.
لم يعد الكاتب يختبئ خلف كتابه.
كل شيء تقريبا أصبح مرئيا. ماذا يأكل، أين يسافر، مع من يختلف، ماذا يحب، ماذا يكره، وماذا قال صباح أمس.
لقد صنعت وسائل التواصل شخصية أخرى للمبدع.
لم نعد أمام إنسان ونص، بل أمام ثلاث صور متداخلة: الإنسان الذي يعيش حياته بعيدا عن الجمهور، والكاتب الذي يظهر في النص، والشخص الذي يقدمه للعالم عبر الشاشة.
وقد تكون الصور الثلاث مختلفة.
و متناقضة أحيانا.
لهذا أعتقد أننا بحاجة إلى شيء من العدالة.
أن نقرأ النص على انه نصا.
وأن نحاكم الإنسان ..على انه إنسانا.
لا أن نمنح الكاتب قداسة لأنه كتب جملة جميلة، ولا أن نحرق كتابا جيدا لأننا لم نحب صاحبه.
قد نختلف مع الكاتب ونحب كتابه.
وقد نحب الإنسان ولا نجد في كتابته ما يستحق أن يبقى.
هذه واحدة من الحريات القليلة التي يمنحنا إياها الأدب.
ربما لا نستطيع الفصل الكامل بين الأديب وأدبه، ولا أظن أننا يجب أن نفعل ذلك.
بينهما علاقة خفية تشبه العلاقة بين النهر ومصدره. الماء يمضي بعيدا، يتغير، يختلط بغيره، لكنه يحمل في مكان ما أثر بدايته.
النص يحمل صاحبه، لكنه لا يتوقف عنده.
وقد يصبح، بعد أن يخرج إلى العالم، أكثر حرية من كاتبه نفسه.
لذلك، حين أقرأ أديبا، لا أسأل كثيرا إن كان يشبه ما كتب.
أسأل سؤالا آخر:
ماذا فعلت كلماته بي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر عدلا.
أما الكاتب، فسوف يبقى إنسانا آخر، له ضعفه وأخطاؤه وأسراره التي لا أعرفها.
وقد يكون أجمل من نصه.
وقد يكون أقل جمالا.
لكن النص، حين يصبح حقيقيا، لا يعود ملكا كاملا لصاحبه.
يتركه الكاتب وراءه ويمضي.
وتبقى الكلمات بين أيدينا.
ومنذ ذلك الحين تبدأ حكاية أخرى.
حكايتنا نحن معها.

