كتب عاشق اوغاريت د. غسان القيم ،عن حكمة الانتماء وصفاء الروح والارتباط بمكان النشأة الاولى.

رقيم الفجر الأخير.عرفته يوم كان صبياً يركض بين دروب القرية الترابية لا ليلحق فراشةً هاربة أو ليستمع إلى زقزقة عصفور بل ليهدم عشاً بنته أمٌّ صغيرة بمنقارها الضعيف ويبعثر أحلام أفراخ لم تتعلم بعد كيف تواجه الريح. كان يضحك فيما كانت السماء تخفي حزنها خلف الغيوم وكانت أشجار التين العتيقة تهز أغصانها كأنها تستنكر ما ترى.وكان إذا مرّ بين الأزهار في الربيع لم يرَ في ألوانها رسالة جمال بل شيئاً قابلاً للكسر. فكانت تيجان النور تنحني تحت قدميه وكانت الحقول تحفظ في ذاكرتها الصغيرة آثار خطاه القاسية.ثم رأيته يافعاً في المدرسة وقد كبر الجسد وبقيت الروح تائهة. كان يجلس بعيداً عن ينابيع الحكمة قريباً من مرايا الغرور. يظن أن الصوت العالي انتصار وأن التكبر رفعة وأن اضطراب الآخرين دليل قوة. فكان عدوّاً للسكينة كما تكون العاصفة عدواً لوجه البحيرة ساعة صفائها.ومضت السنون.وحين ابتلعته المدينة بأضوائها وأسواقها وأبوابها الكثيرة رأيته شاباً يحمل إرث أبيه كما يحمل التاجر بضاعة لا يعرف قيمتها. باع من المروءة أكثر مما اشترى وأهدر من الكرامة أكثر مما حفظ وسار خلف السراب حتى ظنّه نهراً. كان ينفق عمره كما تنفق الريح أوراق الخريف ويبدد أيامه في مواسم التيه بينما كانت الحكمة تقف على قارعة الطريق تناديه فلا يلتفت.وعندئذٍ تذكرت رقماً طينياً قديماً خرج من بين أنقاض أوغاريت لم يذكر اسم كاتبه لكنه وصف حاله قبل آلاف السنين:”إن القلب الذي لا يعرف الرحمة في صباه قد يضل طريقه طويلاً. وإن النفس التي تسكر بغبار الكبرياء قد لا ترى النور ولو أشرقت عليها ألف شمس.”لكن أوغاريت، مدينة الألواح والتراتيل كانت تعرف سراً آخر.فهي لم تجعل الإنسان شراً خالصاً ولا خيراً خالصاً.كانت تعرف أن في أعماق أكثر الصخور قسوة قطرة ماء مختبئة. وأن الحقل الذي أفسدته النار قد يعود أخضر بعد أول مطر. وأن الإنسان مهما ابتعد يبقى يحمل في مكان ما من روحه بذرةً تنتظر موسمها.لذلك كانت كهنة الفجر في المعابد القديمة يرفعون أبصارهم نحو البحر ويقولون:”لا تحزن على من ضلّ الطريق فربما تقوده عثرة واحدة إلى الحكمة. ولا نيأس ممن أظلم قلبه فربما تشق فيه دمعةٌ صغيرة نافذةً للنور. فالآلهة لا تقيس الناس ببداياتهم بل بما يصبحون عليه حين يقفون وحدهم أمام مرايا أرواحهم.”وهكذا بقيت صورته عالقة بين رقيمين:رقيمٍ أول نقشته القسوة والغرور والضياع ورقيمٍ ثانٍ لم يُكتب بعد.ذلك الرقيم الذي ما زال طرياً لم تجف حروفه ولم يكتمل سطره الأخير.فما دام في الصدر نَفَس وفي السماء فجر وفي الأرض قلب ينبض فإن الحكاية لم تنتهِ بعد.. وما زال الطين ينتظر اليد التي ستنقش عليه الكلمة الأخيرة.عاشق أوغاريت..غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎# من صفحة دغسان القيم#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم