الجسد حين يخلع أقنعته
ثمة لحظة يتوقف فيها الجسد عن كونه هيئةً خارجية، ويغدو إعلاناً صامتاً عن الرغبة في التحرر. فالإنسان يولد عارياً، قبل أن تكسوه الأسماء والصفات والقوانين والأدوار؛ وربما لهذا ظل الجسد، عبر تاريخ الفن، أحد أكثر الرموز قدرةً على التعبير عن الحرية. من هذا المعنى يمكن الدخول إلى عالم لوحة الفنان عبد الحميد الفياض Abdulhamid Fayad ، حيث يبدو الإنسان وقد تخلص من كثير من العلامات التي تحاصره، ليظهر في صورته الأكثر بدائية والأكثر صدقاً.
تقوم اللوحة على بناء متماسك تتصاعد فيه الأجساد من أسفل المساحة نحو أعلاها، متجاورة ومتداخلة حتى تبدو كأنها كتلة بشرية واحدة تتنفس بإيقاع مشترك. ولا تأتي هذه الكثافة على حساب الحركة؛ فالتوزيع المتدرج للقامات يخلق مساراً بصرياً يقود العين صعوداً، فيما يفتح السواد المحيط بها مجالاً من الصمت يجعل حضورها أكثر قوة.
وفي قلب هذا البناء تبرز الشخصية الوسطى، لا بحجمها وحده، وإنما من خلال رفع اليدين إلى الأعلى. هذه الحركة تمنحها مركزاً بصرياً وروحياً في آن واحد. فاليدان المرفوعتان يمكن أن تُقرأا بوصفهما حركة ابتهال، أو دعوة، أو احتجاج، أو استقبال للضوء؛ لكنها في سياق اللوحة تبدو أقرب إلى فعل تحرر، كأن الجسد يختبر للمرة الأولى اتساع الفضاء من حوله. إنها حركة تتجاوز الجسد نفسه، إذ تتحول اليدان إلى إشارة صاعدة، تربط الأرض بالسماء، والثقل بالأفق، والصمت بالرغبة في الانطلاق.
وتزداد دلالة هذه الحركة لأن الشخصية لا ترفع يديها وهي منفصلة عن الجماعة، بل في قلبها. وكأنها ترفع صوت الجماعة كلها من خلال جسد واحد. هنا تتحول الحركة الفردية إلى إيقاع جمعي، ويصبح الجسد الوسيط بين الإنسان وفضاء مفتوح لا نعرف حدوده.
يمنح السواد العميق الخلفية وظيفة تشكيلية أساسية. فهو ليس مجرد مساحة خلفية، وإنما فضاء مجهول تخرج منه الأجساد وتتعين داخله. وفي مواجهته تكتسب درجات الأوكر والبني والأصفر الترابي كثافة خاصة، تجعل الأجساد أقرب إلى مادة الأرض والطين والبرونز. هذه الألوان تمنح الشخصيات حضوراً نحتياً، وتوحي بأن الإنسان ليس منفصلاً عن مادته الأولى؛ إنه ابن الأرض، لكنه يمتلك في الوقت نفسه قدرة على النهوض منها.
ويؤكد الفنان هذا الحضور من خلال تحوير الأجساد والاقتصاد في الملامح. فغياب التفاصيل التشريحية الدقيقة، وطمس بعض الوجوه، ولا سيما الوجه المعتم للشخصية المركزية، ينقل الاهتمام من الهوية الفردية إلى فعل الحضور. لا نحتاج إلى معرفة أسماء هؤلاء الأشخاص؛ يكفي أن نرى أجسادهم كي نشعر بإنسانيتهم. لقد أزال الفنان عنهم كثيراً من الأقنعة التي تجعل الفرد أسيراً لتعريفاته الخارجية.
ومن هنا يصبح العري في اللوحة فعلاً جمالياً وفكرياً في الوقت نفسه. إنه ليس استعراضاً للجسد، وإنما عودة إلى الحالة الأولى التي يتساوى فيها البشر قبل أن تضع الحياة فوق أجسادهم طبقاتها المتعددة. العري هنا يحرر الشكل من التفاصيل، ويمنح الجسد قوته التعبيرية المباشرة.
وفي أعلى التكوين تظهر الدوائر المضيئة، بأصفرها الذهبي وأحمرها المتوهج، كأنها علامات معلقة في فضاء آخر. إنها تخفف من ثقل الكتلة البشرية وتمنح العين منفذاً نحو الأعلى. قد تُرى كشموس، أو ثمار، أو علامات كونية، لكن قيمتها التشكيلية تتجاوز تحديد معناها؛ فهي بؤر ضوئية تكسر عتمة الخلفية وتخلق توازناً بين الأرض والفضاء.
وتتجلى براعة الفياض في هذا الاقتصاد اللوني وفي قدرته على تحويل العناصر المحدودة إلى إيقاع غني. فالسواد يمنح العمق، والألوان الترابية تمنح الجسد مادته، والذهبي والأحمر يفتحان نافذة للضوء. أما تكرار القامات وتجاورها فيصنع موسيقى بصرية تتقدم من الأسفل إلى الأعلى، فيما تظل اليدان المرفوعتان في الوسط أشبه بنغمة واضحة داخل هذا الإيقاع.
إن قوة العمل لا تنبع من رموزه وحدها، بل من الطريقة التي تتحول بها الفكرة إلى تشكيل. فالحركة، والكتلة، واللون، والفراغ، والاختزال التشريحي، كلها تعمل معاً لتصنع حالة إنسانية تتجاوز الحكاية المباشرة. إنها لوحة عن الجسد حين يستعيد حقه في الحركة، وعن الإنسان حين يرفع يديه لا ليطلب شيئاً فحسب، بل ليعلن أنه ما زال قادراً على الصعود.
وفي النهاية، تظل اللوحة مفتوحة على معنى أبسط وأعمق: اتجاه الحياة والحرية. ربما لا يحتاج الإنسان، في لحظة الانعتاق، إلى أكثر من جسده وخطوته وإرادته؛ وربما كان السؤال الذي تتركه اللوحة معلقاً في فضائها هو: إلى أين نمضي، ولو حفاةً عراةً، ما دمنا نمضي باتجاه الحياة والحرية؟
بيانات العمل
الفنان: عبد الحميد الفياض
العنوان: لايوجد
الخامة: أكريليك على قماش
الأبعاد: 106 × 126 سم
عام الإنجاز: 2026
اعداد الدكتور ماجد قره.#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.
- اعداد: م. ماجد قره (10-9-2026)
.


