راشبابو.. سيد السوق في أوغاريت
قراءة في وظيفة رئيس السوق وحكاية من قلب المدينة..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين نقترب من مدينة أوغاريت الآثرية لا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها مجرد بقايا جدران وقصور ومعابد صمتت منذ أكثر من ثلاثة آلاف عاماً غبرت.. بل بوصفها مدينة كانت تتحرك كل يوم فيها الإدارة والاقتصاد والحرف والتجارة والموانئ والأسواق وفيها أناس يمارسون أعمالهم ويتخاصمون ويتصالحون ويشترون ويبيعون ضمن نظام إداري واقتصادي كان أكثر تعقيدًا مما توحي به أطلالها اليوم.
ومن بين الشخصيات التي كشفت عنها الوثائق الكتابية الأوغاريتية تبرز شخصية راشبابو المرتبطة بوظيفة رئيس السوق أو المسؤول عن تنظيم النشاط التجاري. وهي شخصية تستحق في تقديري مساحة أكبر في الدراسات المتعلقة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في أوغاريت لأن السوق لم يكن مكانًا عابرًا لبيع السلع وإنما كان جزءًا أساسيًا من الجهاز الاقتصادي للمدينة.
لقد كانت أوغاريت في عصر ازدهارها نقطة اتصال بين عالم البحر المتوسط والداخل السوري والأناضول وقبرص وغيرها من المناطق. وكانت البضائع تنتقل إليها ومنها كما كانت الحرف والصناعات المحلية جزءًا من دورة اقتصادية واسعة. ولذلك كان لا بد من وجود إدارة تضبط حركة البيع والشراء، وتراقب المعاملات وتحفظ النظام داخل السوق.
وهنا تكتسب وظيفة راشبابو أهميتها.
السوق.. قلب المدينة الاقتصادي
يمكن أن نتخيل أوغاريت في صباح أحد أيامها القديمة حين كانت المدينة تستيقظ تدريجيًا على أصوات الحرفيين والباعة وحركة الدواب والقادمين من الطرق المؤدية إلى الميناء فيما كانت السفن التجارية في مينة البيضا تحمل وتستقبل سلعًا من جهات مختلفة.
في مثل هذا المشهد لم يكن السوق مجرد تجمع للحوانيت.
كان فضاءً تتقاطع فيه مصالح التجار والحرفيين والمزارعين والناقلين والموظفين وتلتقي فيه السلع القادمة من الخارج بالمنتجات المصنوعة داخل المدينة.
وفي هذا العالم التجاري المتشابك تظهر أهمية الموظف المسؤول عن السوق.
فوجود وظيفة إدارية من هذا النوع يدل على أن التجارة في أوغاريت لم تكن نشاطًا فوضويًا، وإنما كانت جزءًا من منظومة اقتصادية وإدارية أوسع، ترتبط بالسلطة والضرائب والقياس والوزن والملكية والعقود وحماية المصالح التجارية.
ومن هنا يمكن فهم راشبابو لا بوصفه “صاحب السوق” بالمعنى الشعبي للكلمة، وإنما باعتباره شخصية إدارية ارتبطت بتنظيم الحياة التجارية ومراقبتها..إنه راشبابو..
لم يكن يُسامح في الغش وكان يعاقب من يخدع الزبائن لا بالجلد بل بحرمانه من البركة يمنعه من البيع يوم السوق الكبير كأنما ينفيه من الوجود. وفي الوقت نفسه كان يكرم المجتهدين ويجمع الأيتام ليحكي لهم كيف كانت أوغاريت مدينة تصدّر الأبجدية قبل أن تعرف المدن كيف تكتب أسماءها.
والمشكلة التي تواجه الباحث اليوم حين يتعامل مع شخصيات أوغاريتية من هذا النوع أن الوثيقة القديمة غالبًا لا تمنحنا سيرة كاملة للشخص.
فاللوح الطيني قد يذكر الاسم والوظيفة أو يسجل معاملة أو قرارًا أو التزامًا إداريًا، لكنه لا يخبرنا بالضرورة عن ملامح الرجل، أو عمره، أو أسرته، أو طباعه أو تفاصيل يومه.
ولهذا ينبغي أن نفرق بين راشبابو الذي نعرفه من الوثيقة وراشبابو الذي يمكن أن نتخيله أدبيًا من خلال فهمنا لطبيعة الوظيفة التي كان يشغلها.
أما المؤكد تاريخيًا فهو أن ظهور وظيفة مرتبطة بالسوق يعكس وجود إدارة اقتصادية منظمة وأن التجارة كانت تحتاج إلى من يتابعها ويحافظ على انتظامها.
وهذا وحده يكشف لنا شيئًا مهمًا جدًا عن أوغاريت:
لم تكن قوة المدينة في موانئها وسفنها وتجارتها فقط بل في قدرتها على إدارة هذه الحركة الاقتصادية الهائلة.
حين يختلف تاجران في السوق
ولكي نقترب أكثر من طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه مسؤول السوق فلنتخيل مشهدًا مستوحى من البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تكشف عنها وثائق أوغاريت من دون أن نقدمه بوصفه حادثة تاريخية مثبتة بالنص.
كان النهار حارًا والسوق مزدحمًا.
تاجر يعرض الأقمشة وآخر يبيع المعادن . وحرفيون يعرضون منتجاتهم فيما يتردد بين الحوانيت خليط من الأصوات واللغات.
وفجأة ارتفع صوت رجلين.
كان الخلاف حول قطعة من المصنوعات المعدنية أحدهما يؤكد أن السلعة لم تكن بالمواصفات التي اتفق عليها، والآخر يدافع عن صناعته ويؤكد أنه لم يخدع المشتري.تجمع الناس حولهما.
وفي سوق لا تستطيع فيه التجارة أن تستمر وسط الفوضى يصبح تدخل المسؤول أمرًا ضروريًا وصل راشبابو..لم يكن بحاجة إلى رفع صوته.
طلب أولًا أن تُعرض السلعة وأن يُستدعى من يستطيع فحصها ثم أن تُراجع الكمية والوزن والثمن وما اتفق عليه الطرفان.
لم يحكم من خلال صراخ الأكثر قوة، ولا من خلال مكانة الأكثر ثراءً.
فالسلعة هي التي تتحدث والميزان هو الذي يحسم، والشهادة هي التي تثبت.
وبعد الفحص اتضح أن المشكلة لم تكن في الصنعة وحدها وإنما في عدم وضوح الاتفاق بين الطرفين.
وهنا يأتي جوهر الإدارة الرشيدة للسوق:
أن يُعاد الحق إلى صاحبه دون أن تتحول العدالة إلى انتقام.
أن يُحاسب الغش إن ثبت وأن يُحمى الحرفي من ظلم التاجر كما يُحمى التاجر من خداع الحرفي.
ثم ينتهي النزاع ويعود السوق إلى صخبه.
تعود الأيدي إلى البيع والشراء وتعود الموازين إلى العمل ويستمر اقتصاد المدينة كما كان.
هذه الحكاية ليست نصًا أوغاريتيًا محفوظًا عن راشبابو وإنما إعادة بناء سردية محتملة تساعدنا على فهم الوظيفة التي كان يمكن أن يؤديها مسؤول السوق في مجتمع تجاري منظم مثل مجتمع أوغاريت.
السوق مرآة المجتمع
إن أهمية راشبابو لا تكمن في شخصه وحده وإنما فيما تمثله وظيفته.
فوراء رئيس السوق هناك نظام كامل.
هناك التاجر الذي يغامر بأمواله والحرفي الذي يصنع بيديه والكاتب الذي يسجل والموظف الذي يراقب والناقل الذي يحمل البضائع والسفينة التي تعبر البحر والميناء الذي يستقبلها والقصر الذي يشرف على جزء من النشاط الاقتصادي.
وهكذا يصبح السوق مرآة حقيقية للمجتمع الأوغاريتي.
فيه نرى الطبقات الاجتماعية وفيه نلمس قوة التجارة ونفهم مكانة الحرفيين، وندرك أهمية الكتابة في تسجيل المعاملات ونكتشف أن الاقتصاد لم يكن هامشًا في حياة أوغاريت بل كان أحد أعمدة قوتها.
ولعل هذا ما يجعل دراسة شخصيات مثل راشبابو وغيره من الشخصيات التي ذكرتها ترجمات الرقم الفخارية مهمة جدًا.
فالتاريخ لا يصنعه الملوك وحدهم.
وراء الملك الذي يظهر اسمه على الألواح كانت هناك شبكة واسعة من الموظفين والكتبة والتجار والحرفيين وأصحاب المهن هم الذين جعلوا المدينة قادرة على العمل يومًا بعد يوم.
راشبابو.. الرجل الذي يكشف لنا مدينة
ربما لا نستطيع أن نعرف كيف كان شكل راشبابو ولا ماذا كان يرتدي ولا أين كان يسكن ولا كيف كانت حياته الخاصة.
لكننا نستطيع أن نقرأ وظيفته باعتبارها نافذة نطل منها على عالم أوغاريت الاقتصادي.
كان السوق يحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى إدارة.. والإدارة تحتاج إلى رجال يعرفون كيف يطبقونها.
وهنا تكمن قيمة راشبابو التاريخية.
فهو ليس مجرد اسم عابر في لوح طيني إنه شاهد على مرحلة كانت فيها أوغاريت مدينة تجارية متقدمة تتشابك فيها المصالح المحلية مع شبكة واسعة من العلاقات الدولية.
وعندما نقف اليوم بين حجارة السوق القديمة قد لا نسمع أصوات التجار ولا صليل الموازين ولا وقع خطوات القادمين من الميناء.
لكن الطين الذي حفظ أسماءهم ما زال يتكلم.
ومن بين تلك الأسماء يأتي راشبابو، ليذكرنا بأن أوغاريت لم تكن مدينة القصور والمعابد والأبجدية فقط بل كانت أيضًا مدينة السوق والتاجر والحرفي والكاتب والقانون.
مدينة كان اقتصادها يحتاج إلى من يحرس انتظامه ويبدو أن راشبابو كان واحدًا من أولئك الرجال الذين وقفوا في قلب هذه المنظومة.
ولذلك فإن إعادة قراءة شخصيته ليست بحثًا عن رجل غامض فحسب بل محاولة لاستعادة وجه آخر من وجوه أوغاريت وجه الإنسان الذي كان يعمل ويبيع ويشتري ويصنع ويسجل ويحاكم ويحتكم إلى الميزان.
وهكذا بعد ثلاثة آلاف وخمسمائة عام لا يزال السوق يتحدث.
لكن صوته هذه المرة لا يأتي من الحوانيت بل من الألواح الطينية.
ومن بين سطورها يطل اسم راشبابو..
رجلٌ من رجال السوق وشاهدٌ على أن الحضارات لا تُبنى بالقصور وحدها وإنما تُبنى أيضًا بالميزان والكتابة والنظام وثقة الناس بالتجارة.
#عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎#مجلة ايليت فوتو ارت.


