كتب د. غسان القيم على صفحته ..حول العلاقة المتلازمة بين المكان والتاريخ بوصفه شاهدا ومشاركاومؤرخا للاحداث.

إبلا.. حين تكلم الطين فاستيقظ التاريخ.”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””ليست بعض المدن مجرد أطلال من حجارة صامتة بل هي ذاكرة أمم كاملة اختبأت قروناً طويلة تحت التراب بانتظار من يزيح عنها غبار الزمن. ومن بين تلك المدن العظيمة تبرز إبلا تلك المملكة السورية العريقة التي نهضت من سباتها فجأة لتعيد كتابة صفحات كاملة من تاريخ الشرق القديم.في تل مرديخ إلى الجنوب من حلب كانت الأرض تخبئ أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. هناك وبين جدران القصر الملكي خرج إلى النور أكثر من سبعة عشر ألف رقيم مسماري يعود تاريخها إلى الفترة الواقعة بين 2400 و2250 قبل الميلاد فكانت تلك الرقم بمثابة مكتبة كاملة نجت من عواصف الزمن والنسيان.لم تكن تلك الألواح مجرد وثائق إدارية أو سجلات اقتصادية جامدة بل كانت أصوات أناس عاشوا قبل خمسة آلاف عام، تحدثوا عن تجارتهم وممالكه، وعلاقاتهم السياسية وأفكارهم ولغاتهم وأحلامهم. ومع كل رقيم تمت قراءته كانت صورة سورية القديمة تزداد وضوحاً وإشراقاً.في إبلا اكتشف الباحثون واحدة من أقدم معاهدات السلام المعروفة في التاريخ تلك المعاهدة التي ربطت المملكة بجارتها إبارسال شاهدةً على أن الإنسان السوري القديم لم يعرف الحرب وحدها بل عرف أيضاً لغة التفاهم والمواثيق والعهود.وفي إبلا أيضاً ارتفع صوت الحب من أعماق الألف الثالث قبل الميلاد حين كشفت النصوص عن أقدم قصائد الغزل والمحبة التي وصلت إلينا من فجر التاريخ لتؤكد أن المشاعر الإنسانية كانت دائماً أقوى من حدود الزمان والمكان.أما المرأة الإبلائية فقد حضرت بقوة في الوثائق المكتشفة، لا كظلٍ للرجل بل كشريك فاعل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فقد امتلكت الأراضي والمزارع وأدارت شؤوناً اقتصادية مهمة بما يعكس مستوى متقدماً من التنظيم الاجتماعي في تلك المملكة السورية القديمة.ومن خلال أرشيف إبلا الواسع تجلت العلاقات الوثيقة بين سورية ووادي النيل منذ الألف الثالث قبل الميلاد.. لتظهر أمامنا شبكة واسعة من التواصل الحضاري والتجاري والثقافي بين أعرق حضارات الشرق القديم.غير أن ما يثير الدهشة حقاً هو ذلك البعد اللغوي الفريد الذي حفظته لنا الرقم الإبلائية. ففيها ظهرت أقدم القوائم اللغوية والمعاجم الثنائية بين الأكادية ولغة إبلا. وكأن علماء تلك المملكة كانوا يدركون منذ ذلك الزمن البعيد أهمية حفظ الكلمات وتصنيفها وترجمتها. لقد كانت تلك القوائم نواة مبكرة لما سيعرفه العالم لاحقاً من معاجم وقواميس.ومن بين تلك الكلمات القديمة يلوح للباحث صوت الضاد ذلك الصوت الذي سيصبح لاحقاً إحدى السمات المميزة للغات السامية الشمالية الغربية ويستمر صداه عبر القرون في الأوغاريتية والآرامية ثم العربية وكأن خيوط اللغة الممتدة عبر آلاف السنين لم تنقطع يوماً عن أرض سورية.لقد أعادت إبلا إلى الذاكرة وجهاً مجهولاً من تاريخ المشرق وأثبتت أن هذه الأرض لم تكن هامشاً في سجل الحضارات بل كانت مركزاً فاعلاً في صناعة التاريخ واللغة والفكر والإدارة والسياسة. وما تزال ألواحها الطينية حتى اليوم تهمس للباحثين بأن تحت كل رقيم حكاية وتحت كل كلمة عالم كامل ينتظر من يكتشفه.وهكذا تبقى إبلا أكثر من مدينة أثرية إنها شهادة خالدة على عبقرية الإنسان السوري القديم ورسالة من خمسة آلاف عام تقول لنا إن الحضارات قد تغيب لكن المعرفة الحقيقية لا تموت أبداً.عاشق أوغاريت..غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎#د.غسان القيم#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم