
- صحيفة الثورة السورية
- أوغاريت.. حين غنت الأبجدية على إيقاع توثيق الكسوف الأول
عبير علي
تستقر تلال رأس شمرة على بعد 12 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة اللاذقية، حاملةً حكاية مدينة لم تتوقف عن إبهار العالم.
بدأت القصة عام 1928، حين اصطدمت مِجرفة الفلاح محمود الزير بمدفن أثري صدفةً، لتفتح الباب أمام البعثات الأثرية لاكتشاف مملكة “أوغاريت”؛ التي سيطرت على طرق التجارة، والثقافة في العصر البرونزي، وقدمت للبشرية ابتكارات غيّرت مسار التاريخ الإنساني.
في حوار لـ” الثورة السورية” ، يستفيض الباحث الدكتور غسان القيم، الملقب بـ “عاشق أوغاريت”، في شرح الأبعاد العلمية والفنية لهذه الحضارة، موضحاً أن أوغاريت تمثل محركاً ثقافياً لا يزال يغذي الحاضر السوري في لغته، وفنه، وطقوسه اليومية.
من رقيم الكسوف إلى أول نوتة موسيقية
سجل السوريون القدامى في أوغاريت تفوقاً علمياً لافتاً في مراقبة الأجرام السماوية وتدوين الفنون، ويستحضر القيم تاريخ 5 آذار عام 1375 قبل الميلاد، واصفاً إياه باللحظة التي وثّق فيها الإنسان السوري ظاهرة كسوف الشمس بدقة مذهلة سبقت المراصد الحديثة بآلاف السنين.
ويؤكد أن البعثة الأثرية اكتشفت عام 1948 رقيماً فخارياً فريداً يُعد أقدم وثيقة كسوف شمسية في العالم، دوّن فيها الملك “نقماد الثاني” تفاصيل الظاهرة من حيث اليوم، والشهر، والساعة التي خيم فيها الظلام فوق القصر الملكي والأسواق.
ويرى القيم أن هذا التسجيل يثبت عبقرية الأوغاريتيين في الملاحظة الفلكية، وقدم لعلماء العصر الحديث مسطرة زمنية مكنتهم من إعادة بناء التاريخ الزمني للشرق القديم بدقة متناهية؛ مؤكداً أن الملك الأوغاريتي جعل من تدوين الحقيقة العلمية هدفاً سامياً لحماية ذاكرة شعبه وتوثيق حق سيادي على الزمان والمكان.
وهذا الشغف بالتوثيق بحسب القيم لم يتوقف عند السماء، بل امتد لتهذيب الروح؛ إذ تنفرد أوغاريت بكونها مهد التدوين الموسيقي الأول في التاريخ، ففي عام 1950، عثر المنقبون في أرشيف القصر الملكي على مجموعة من الألواح الفخارية، من بينها الرقيم الشهير المعروف بـ (h.6) أو “أنشودة العبادة لنيكال”، والتي تعود لعام 1400 قبل الميلاد.
ويشرح القيم أن هذا الرقيم يحتوي على تعليمات دقيقة لـ “دوزان” الموسيقا، ونوعية الأوتار المستخدمة في آلة القيثارة، وكيفية توزيع الألحان، ليكسر هذا الاكتشاف النظرية التي كانت تنسب فضل وضع النظريات الموسيقية للإغريق، ليثبت أن السوريين وضعوا القواعد العلمية للسلم الموسيقي قبل اليونانيين بأكثر من ألف عام؛ ولتكون “السمفونية الأولى” التي انطلقت من طين أوغاريت تعم العالم، وما زالت تُدرس في كبرى الجامعات العالمية كدليل على الرقي الفني السوري القديم.
“دجن” وسر المسرح الأول
ينتقل القيم إلى زاوية أنثروبولوجية مهمة تربط بين الماضي واللغة المحكية اليوم في ريف الساحل السوري، متسائلاً عن أصل عبارة “من الصبح ما أكلت الدجن” التي يرددها الفلاحون.
ويؤكد أنها استحضار لإرث يمتد لأربعة آلاف عام؛ فـ “دجن” هو إله السنابل والقمح في الفكر الأوغاريتي، وقد كشفت التنقيبات عن منحوتة تجسده وسنابل القمح تنبت من هامته، في إشارة بصرية إلى كونه مصدر العطاء والبركة.
ويضيف: “أقام الأوغاريتيون له معبداً مهيباً في (الأكروبول) -الحصن المرتفع للمدينة- فدجن يمثل مخزن الحَبّ والأساس، بينما يمثل ابنه (بعل) المطر الذي يحيي الأرض”، مما يثبت أن السوريين عرفوا قيمة الرغيف وقدسوه قبل معظم الحضارات الأخرى، وحولوا الزراعة إلى ثقافة وهُوية وأعياد حصاد لا نزال نعيش أصداءها اليوم.
وبالتزامن مع يوم المسرح العالمي، يكشف القيم أن جذور المسرح العالمي نُقشت في طين أوغاريت قبل الألف الثاني قبل الميلاد. فالملاحم الأوغاريتية الكبرى، مثل ملحمة “بعل وموت”، كتبت لتؤدى بشكل تمثيلي حركي أمام الجمهور الذي كان يشارك في إعادة خلق الحدث الكوني مرتدياً الأقنعة لتمثيل صراع الحياة والموت.
ويستدل القيم على ذلك بـ “التكرار الإيقاعي” في النصوص، وهو أحد القوانين الأساسية التي قام عليها المسرح العالمي لاحقاً. ويجزم بأن عناصر المسرح الإغريقي من (أقنعة، وجوقة، وبطل تراجيدي) كانت تُمارس في أوغاريت، ما يؤكد أن سوريا لم تفصل يوماً بين الفن والحياة، ولا بين المسرح والسماء.
من الجرف الأحمر إلى الأبجدية
يوسع القيم دائرة البحث لتشمل موقع “الجرف الأحمر” على ضفة الفرات، الذي شهد قبل 9500 عام نقش رموز هندسية وحيوانية على البازلت، مثلت الإرهاصات الأولى التي أدت لاحقاً إلى اختراع “الأبجدية الأوغاريتية” المؤلفة من 30 حرفاً مسمارياً.
وتجاوزت هذه الأبجدية كونها حروف لتصبح ثورة ديمقراطية في عالم المعرفة كما يراها القيم؛ فبينما كانت الكتابات المجاورة تتطلب سنوات لتعلم مئات الرموز المعقدة، جعلت أبجدية أوغاريت القراءة والكتابة متاحة للجميع، ما سهل التبادل التجاري والثقافي وكرّس مكانة أوغاريت كمركز حضاري عالمي يربط الشرق بالغرب بثماني لغات وخمسة خطوط مختلفة كشفتها الحفريات.
ويحلل القيم جانباً من الأدب الملحمي الأوغاريتي، متوقفاً عند تراجيديا صراع الإله “بعل” مع الإله “موت”، والتي تعكس العبقرية الفلسفية للإنسان السوري الذي صاغ مفاهيم الصراع الوجودي بين الخير والشر قبل آلاف السنين.
ويختتم القيم حديثه مبيناً أن توقيعه بالحروف المسمارية والبحث في تفاصيل هذه الحضارة هو محاولة لاستعادة الذات السورية في أنقى صورها، حين الحياة قريبة من جوهرها. ويرى أن مهمة الباحث والصحفي تكمن في ترميم الروح عبر استحضار هذه العظمة التاريخية؛ لأن أوغاريت هي “الدجن” الذي نأكله كل صباح، والروح التي تسكن كلماتنا، والحكاية التي تنتظر دائماً من يكتب سطرها التالي.


