الأب في عيون الرسامين
د. عصام عسيري
في كل عام يحتفي العالم بيوم الأب تقديراً لدوره في بناء الأسرة وتربية الأجيال وصناعة الاستقرار الاجتماعي. وإذا كانت صورة الأم قد استأثرت بنصيب وافر من الأعمال الفنية عبر التاريخ، فإن الأب بدوره احتل مكانة مهمة في وجدان الفنانين، وإن جاء حضوره أقل عدداً وأكثر ارتباطاً بالرمزية والدلالات الإنسانية العميقة، فكيف خلّد الفنانون صورة الأب عبر العصور؟.
لقد نظر الفنانون إلى الأب بوصفه أكثر من مجرد فرد داخل الأسرة؛ فهو المعلم والمرشد والحامي والمعيل، وهو الذاكرة الحية التي تنقل القيم والخبرات من جيل إلى آخر. لذلك تنوعت صوره في الأعمال الفنية بين الأب الحنون، والأب الحكيم، والأب العامل، بل وحتى الأب الذي يمثل السلطة والصراع في بعض الأعمال الدرامية.
ولعل من أشهر صور الأبوة في تاريخ الفن العالمي لوحة عودة الابن الضال للفنان الهولندي رامبرانت، التي تعد واحدة من أعظم الأعمال الإنسانية في تاريخ الرسم. ففي هذه اللوحة يحتضن الأب ابنه العائد بعد سنوات طويلة من الضياع والخطأ، ليجسد معنى الرحمة والغفران والمحبة غير المشروطة. هنا تتحول الأبوة إلى قيمة إنسانية كبرى تتجاوز حدود الأسرة لتلامس جوهر التجربة البشرية.
وفي أعمال بول سيزان نجد الأب حاضراً في إطار العلاقة بين الأجيال. فقد رسم والده أكثر من مرة، موثقاً تلك العلاقة المركبة بين الأب المحافظ والابن الفنان الذي اختار طريقاً مختلفاً عن رغبات أسرته. ومن خلال هذه الأعمال تحولت صورة الأب إلى مرآة للحوار بين الماضي والمستقبل، وبين التقاليد والتجديد.
أما في الفن العربي، فقد حضرت الأبوة غالباً من خلال صورة الأسرة والذاكرة الشعبية والعلاقات الاجتماعية. ومن النماذج الجميلة في هذا السياق لوحة الفنان المصري أحمد الدندراوي (50 × 70 سم)، التي تحتفي بالأسرة المصرية في قالب تعبيري حميم مفعم بالدفء والألوان المشرقة. تظهر الأم وهي تحتضن طفلها بينما يقف الأب إلى جوارها حاملاً زهرة حمراء، في إشارة رمزية إلى المودة والرعاية والشراكة العائلية.
وتتميز اللوحة بتبسيط الأشكال والملامح واستخدام لغة بصرية قريبة من الفن الشعبي، حيث تتحول الشخصيات إلى رموز إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان. كما تسهم الألوان الزاهية والنخيل في الخلفية في استحضار أجواء الريف والبيئة المصرية، بما تحمله من قيم الترابط الأسري والدفء الاجتماعي. وفي هذا المشهد لا يبدو الأب شخصية متسلطة أو بعيدة، بل شريكاً في صناعة الحب والأمان داخل الأسرة.
وتكشف هذه الأعمال، على اختلاف بيئاتها وثقافاتها، أن الأبوة ليست وظيفة اجتماعية فحسب، بل تجربة إنسانية غنية بالمعاني. فالأب في الفن هو رمز للحماية والعطاء، وذاكرة للأجيال، وجسر يربط الماضي بالمستقبل. ومن خلال صورته استطاع الفنانون التعبير عن قيم المسؤولية والرحمة والتضحية والانتماء.
وفي اليوم العالمي للأب، تذكرنا هذه الأعمال الفنية بأن الأبوة ليست مجرد حضور جسدي داخل الأسرة، بل حضور روحي وأخلاقي يصنع أثره في الأبناء والمجتمع. وبين ألوان اللوحات وخطوط الرسامين تبقى صورة الأب واحدة من أجمل الصور الإنسانية التي ألهمت الفن عبر العصور، وستظل مصدر إلهام للفنانين ما دامت الأسرة هي النواة الأولى للحياة والذاكرة والحب.


