إلى سعدالله ونّوس…
في اليوم العالمي للمسرح
نحن الجيل الخائب، يا سعدالله.
الجيل الذي لم يعد محكومًا بالأمل، بل محكومًا بالنجاة المؤقتة، بالعبور المرتبك، بتأجيل السقوط ليس إلا.
كيف نكون محكومين بالأمل، فيما القوة العمياء تسوقنا جميعًا إلى حفرة الفناء؟
كيف نتمسّك بإمكانية الضوء، بينما التطرّف يغلق نوافذه واحدةً واحدة، ويمدّ شباكه السوداء على وجه الشمس؟
كيف نصدّق أن الكلمة ما تزال قادرة على الحياة، وفيلُ الملك يعيث في الأرض فسادًا، والجمهور يصفّق… كما لو أنّ الكارثة مجرّد مشهدٍ في كوميديا عبثية رديئة؟
في بلادنا، المسرح مناسبة موسمية أنيقة؛
ملصق سنوي يذكّرنا، على سبيل المجاملة الحضارية، بأن شيئًا اسمه “المسرح” ما يزال موجودًا في القاموس، فنرتدي، ليومٍ واحد، وجوهنا الثقافية المصقولة، ونكتب عن الخشبة، والضوء، ورسالة الفن، وسموّ الجمال،ثم نعود بهدوء إلى واقعٍ لا يحتمل حتى جملة صادقة واحدة يقولها ممثل شجاع على الخشبة .
فماذا يعني أن نحتفل بالمسرح ؟
في مجتمعٍ يرى الفن شبهة،والخيال خطرًا،
والجمال بابًا مواربًا للانحلال الأخلاقي؟
وماذا يعني أن نرفع شعار “اليوم العالمي للمسرح”،بينما نحن نتنفّس تحت سقف الخوف،/ونمشي الحيط الحيط ونقول ياربّ السترة / .
المسرح ليس ستارةً حمراء، ولا مقاعد مخملية، ولا بيانًا ثقافيًا محفوظًا يُتلى كل عام بنبرة احتفالية ميتة.
المسرح، قبل كل شيء، هو حقّ الإنسان في أن يتكلّم علنًا.أن يسخر علنًا. أن يشكّ علنًا. أن يفضح القبح علنًا.
أن يضع الحقيقة عارية على الخشبة .
فأيّ مسرح نحتفل به إذن؟
أمسرحٌ يأتي إلينا كضيفٍ خجول،يطرق الباب بخفّة، يجلس دقائق مرتبكة،
ثم يهرب قبل أن يراه أحد؟
أم أنّنا لا نحتفل بالمسرح نفسه، بل بفكرته فقط؟ بتلك الفكرة البعيدة الجميلة، التي نزداد افتتانًا بها كلّما ازدادت استحالةً وابتعادًا عن حياتنا؟
في أماكن أخرى من العالم، المسرح جزء من النسيج اليومي للحياة:
في المدرسة، في الشارع، في النقاش العام، في تربية الذوق، في تدريب الناس على الاختلاف، وعلى الإصغاء، وعلى الشكّ المنتج.
أما عندنا، فنحتفل به كما يُحتفل بالكائنات المنقرضة:
خطابات جاهزة، وصورٍ تذكارية،
وكأننا نضع إكليل زهور على قبر الحياة المدنية، ثم نطلب من الجميع أن يصفّقوا احترامًا للمناسبة.
ماذا يعني احتفالنا باليوم العالمي للمسرح ؟
في مجتمعٍ يربّي أبناءه على الطاعة لا على السؤال، وعلى الامتثال لا على الخيال،
وعلى ترديد ما يُقال لا على اكتشاف ما ينبغي أن يُقال.
ثم نتساءل :
لماذا لا يوجد لدينا مسرح حي؟ والجواب نعرفه جميعًا ؛ لأننا نريده مهذّبًا، مطيعًا،
منزوع المخالب .
لا يسأل،
لا يقلق،
لا يحرج،
لا يوقظ أحدًا من نومه الطويل.
نريده فنًّا يؤدي وظيفة العلاقات العامة:
يصفّق للقيم السائدة، وينحني للسلطات،
ويبتسم للأوهام الوطنية والاجتماعية والدينية،ثم يغادر الخشبة بأدب… بعد أن يكون قد قال كل شيء،إلا الشيء الذي ينبغي قوله.ثم نتساءل، مرة أخرى،
لماذا يبدو كل ما يُقدَّم على الخشبة كأنه نشرة مجاملة طويلة بلا روح؟
والحقيقة أن المشكلة ليست في غياب المسرح وحده، بل في غياب الشروط التي تجعل المسرح ممكنًا.
فالمسرح لا يولد في بيئة تخاف السؤال،
ولا يعيش في مجتمع يعتبر التفكير وقاحة،
ولا يزدهر في مناخٍ يبحث عن اقلّ الخسائر .
المسرح لا يحتاج فقط الى ممثلين ومخرجين ونصوص،بل يحتاج، قبل ذلك كله، إلى هواءٍ مدنيّ .
إلى مساحةٍ يُسمح فيها للإنسان أن يكون مواطنًا لا صدى، وعقلًا لا بوقًا، وصوتًا لا ظلًّا مرتجفًا.
كيف نحتفل باليوم العالمي للمسرح !
ونحن نحاربه باسم الأخلاق،وباسم العادات،
وباسم الوقار،وباسم الدين .
في اليوم العالمي للمسرح، لا نحتاج إلى خطابات عن الفن، بل إلى شجاعة الإعتراف بأننا لا نفتقد الخشبة وحدها، بل نفتقد الإنسان الذي يستطيع أن يقف عليها دون خوف .
لا مسرح حيث يخاف الإنسان صوته .
لا مسرح حيث تربى الأجيال على الطاعة لا على السؤال .
لا مسرح حيث تكون النجاة أهم من الحرية ، والصمت وسيلة للبقاء .


