كتب القاص الناقد يوسف خليل السباعي يوما عن ادب القاص ا الحسين قيسامي واصفا اياه بالمليء بالإبداع والتجاوز

القاص الساخر الحسين قيسامي ينقل دمية كافكا إلى درب غلف

القاص الناقد يوسف خليل السباعي Youssef Sbai يضعنا القاص الساخر الحسين قيسامي في قلب تناص ساخر، لكنه مليء بالإبداع والتجاوز، بمعنى أنه ينقل دمية فرانز كافكا الذائعة الصيت إلى درب غلف. هكذا يحول كل شيء، سرديا وقصصيا، فتغدو قصته القصيرة ” دمية كافكا في درب غلف” ذات رؤية عميقة، تنفي الأصل وترتدي ثوبا مغربيا جديدا. ليست دمية كافكا هي دمية قيسامي، لا تشبهها، ولا تماثلها ولا تطابقها ولاتحاكيها. إن الدمية المعثور عليها في الدكان القديم هي دميه منحبسة، ومقيدة، لها نظرة رعبية. فالسارد يخبرنا منذ البدء أن صاحب الدكان، الذي لا اسم له، أي أنه مجهول، غامض، من اختراع السارد، سيحرر الدمية. يعتني بها كدلالة على عملية “خلاص ما” حيث سيكتشف رسالة. ونحن نعرف أن الرسالة داىما تحمل حقائق ما. فالرسالة. تأتي من مكان بعيد، أو تكتب من مكان ما. هكذا، يدخلنا السارد إلى قلب القصة القصيرة المختارة التي كتبها الحسين قيسامي، وكأنه يدعونا إلى أن نفتح مع صاحب الدكان الرسالة لنقرأها. والحقيقة أن كل قراءة تستوجب نظرا وتأويلا.إن مكتوب الرسالة القابل للقراءة، هو هذا: “أنا دمية كافكا المختفية. لقد اختطفوني من يدي طفلة كافكا وقيدوني بالحبال داخل شوال بلاستيكي وباعوني في سوق درب غلف.”هنا، في هذا المقطع السردي نقف على حقيقة الاكتشاف: حيث نجد أنفسنا أمام اختطاف وانتقال وتحول، فالدمية المختطفة خضعت لتألم وبيع، في سوق درب غلف.لم تعد دمية كافكا الذائعة الصيت، بل تحولت إلى شيء ٱخر.إن دمية كافكا لم تتغير كليا، ولكنها تعرضت للتشويه: صارت دمية مختلفة كما هو حال دمية فرانز كافكا سرديا المختلفة عن دمية الحسين قيسامي في قصته القصيرة.في مقطع سردي ٱخر، ينقلنا السارد إلى مستوى ٱخر يجعل كافكا في قلب درب غلف. إن هذا التحويل هو ما يجعل هذه القصة القصيرة تناصية، حلمية وغرائبية، ذات طابع تخييلي بعيد الغور نقرأ: ” كان كافكا يسير بتثاقل بين الرفوف المغبرة في سوق درب غلف للسلع المستعملة، عندما توقفت عيناه فجأة عند دمية ذات شعر أشقر. تسمر في مكانه للحظة، وشعر وكأن قلبه توقف عن النبض؛ كانت الدمية مطابقة تماما لتلك التي وصفتها الطفلة في قصته قبل أن تختفي”. إن حضور كافكا نفسه في درب غلف هو حلمي، وغراىبي، لايمكن تصديقه، وهذا الغير القابل للتصديق هو هذا الانتقال من الشخص ( كافكا الكاتب المعروف) والشخصية ( كافكا في درب غلف.) إن هذا الانتقال من الشخص إلى الشخصية ومن الغياب إلى الحضور هو ما يؤسس لكتابة قصصية متطورة ومتحولة، نجدها عند عدد من كتاب القصة القصيرة المغربية.السؤال الجوهري المطروح الٱن: هل هي ذاتها دمية كافكا، أم أنها تغيرت في هذه القصة القصيرة؟ إنها نفس الدمية، لكنها تغيرت في قلب الإمكان السردي وبسخرية القاص الحسين قيسامي.إن السارد يقوم بنقل نوعية، إذ يصف لنا سوق درب غلف: ” يتميز سوق درب غلف بأجوائه الشعبية؛ أصوات حية تعكس حركية التجارة، حيث ينادي الباعة بأسعار الخضروات (“بطاطا/مطيشة بـ 5 دراهم”)، ويصدح بائعو السردين بجودة سمكهم (“السردين طري… جديد ورخيص”)، بينما يتبادل الباعة والسلطات النقاش حول التنظيم”. هنا، هذا الوصف ليس زائدا، بل هو وظيفي، يعكس الحركة اليومية للسوق، حيث الحضور الواقعي للباعة ورجال السلطة والنظام ومزج اللغة العربية بالعامية المغربية من خلال الصور، مدخلا تقنية التصوير السينمائي. غير أن ما هو حلمي وغرائبي في السوق هو حضور كافكا؛ نقرأ في هذا المقطع السردي المبني بإحكام كمشهد سينمائي:” بيدين مرتجفتين، مد كافكا يده والتقط الدمية. ضغط على صدرها بحذر، كما كان الأطفال يفعلون مع الألعاب التي تصدر أصواتا مسجلة، وفجأة دوى صوت طفولي في الصمت:”الحوت… السردين…. الدلاح…. مطيشة… الجلبان… الدار البيضاء… طنجة باقي بلاصة…. القصر الكبير… الناظور…”لم يتردد كافكا، وكتب آخر رسالة:”أنا الآن من دون روح، من دون إحساس، ومن دون أي شيء! لم أشعر يوما أنني بحاجة أحد كما أشعر الآن! سأضرب “بيصارة” عند الحاج المعطي! “وميحس بالمزود غير لي مضروب بيه! وداعا….”في هذا المقطع تتحول دمية كافكا التي لم يعد يعرفها، حيث أصبحت مثلها مثل سلع وبضائع السوق، من الأشياء…. تصدر أصواتا جديدة وهذا ما يفعله التناص يحول الكتابة من الداخل، حيث تتداخل النصوص وتغدو هذه القصة القصيرة سيمولاكر.إن الحسين قيسامي ليس قاصا ساخرا، فحسب، بل إنه قاص يطور الكتابة القصصية بالمغرب بجعل القصة القصيرة تكشف الأعطاب النفسية والاجتماعية والسياسية ، محاولا النظر إلى الوجود فلسفيا من خلال العمل، بجهد أدبي كبير، على التناص، وجعل الكتابة ضرورة حيوية كأثر غياب حضور في ٱن واحد.*****”” القصة:دمية كافكا* في درب غلفالقاص الساخر الحسين قيسامي أفرغ دكانه القديم بدرب غلف، فوجد دمية والكثير من الأثاث والتذكارات التي يجب فرزها قصد البيع. كانت الدمية مصنوعة من السيليكون الصلب اللين، محبوسة ومقيدة بسلسلة من الحديد داخل الدكان، تماما كمشاهد بعض أفلام الرعب، وتتميز بنظرة جانبية خفيفة.فك قيودها ومسح وجهها منظفا لباسها؛ فستانها الأرجواني المخطط المصمم بشكل انسيابي وفضفاض ذو أكمام قصيرة. وفي شق غير ملحوظ داخل الدمية، وجد رسالة محشورة تقول:”أنا دمية كافكا المختفية. لقد اختطفوني من يدي طفلة كافكا وقيدوني بالحبال داخل شوال بلاستيكي وباعوني في سوق درب غلف.”كان كافكا يسير بتثاقل بين الرفوف المغبرة في سوق درب غلف للسلع المستعملة، عندما توقفت عيناه فجأة عند دمية ذات شعر أشقر. تسمر في مكانه للحظة، وشعر وكأن قلبه توقف عن النبض؛ كانت الدمية مطابقة تماما لتلك التي وصفتها الطفلة في قصته قبل أن تختفي.يتميز سوق درب غلف بأجوائه الشعبية؛ أصوات حية تعكس حركية التجارة، حيث ينادي الباعة بأسعار الخضروات (“بطاطا/مطيشة بـ 5 دراهم”)، ويصدح بائعو السردين بجودة سمكهم (“السردين طري… جديد ورخيص”)، بينما يتبادل الباعة والسلطات النقاش حول التنظيم.بيدين مرتجفتين، مد كافكا يده والتقط الدمية. ضغط على صدرها بحذر، كما كان الأطفال يفعلون مع الألعاب التي تصدر أصواتا مسجلة، وفجأة دوى صوت طفولي في الصمت:”الحوت… السردين…. الدلاح…. مطيشة… الجلبان… الدار البيضاء… طنجة باقي بلاصة…. القصر الكبير… الناظور…”لم يتردد كافكا، وكتب آخر رسالة:”أنا الآن من دون روح، من دون إحساس، ومن دون أي شيء! لم أشعر يوما أنني بحاجة أحد كما أشعر الآن! سأضرب “بيصارة” عند الحاج المعطي! “وميحس بالمزود غير لي مضروب بيه! وداعا….” ***** ********* * إضاءة من الكاتب: في سن الأربعين، وأثناء نزهته في حديقة برلين، التقى كافكا بصبية تبكي لأنها فقدت دميتها. بحث معها عنها دون جدوى، فحاول تهدئتها وطلب منها انتظاره حتى الغد ليبحثا مجددا. عندما لم يعثرا عليها، كتب كافكا رسالة على لسان الدمية يقول فيها: «أرجوك عزيزتي لا تبكي، فقد ذهبت في رحلة لاستكشاف العالم. سأكتب لك عن مغامراتي». هكذا تشكلت قصة الدمية المفقودة التي رافقته طوال حياته، وكانت عبارة عن سلسلة رسائل تفيض حنانا وكأنها أم تهدهد طفلتها لتنام مطمئنة. وذات لقاء أخبرها أنها قد عادت أخيرًا، ظلت الفتاة تقفز في الهواء فرحًا حتى اعطاها دمية اشتراها، فوقفت وقالت: “لكن، ليست هذه دميتي”.فَذكرها كافكا برسالة الدمية الأخيرة وانها كتبت تقول بأن رحلاتها غيرتها تمامًا.# كتاب القصة القصيرة # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم