سلسلة مقالات – الوعي البصري العربي تحت المجهر
القسم الثالث: غياب المرجعية
صمت المؤسسات وتواطؤها مع التضليل وخذلان وعي المصور العربي
عندما نتحدث عن “الجريمة التربوية” في تعليم التصوير، لا يمكننا توجيه أصابع الاتهام فقط لصناع المحتوى الهواة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فأغلب هؤلاء نتاج لبيئة معرفية هشة صنعت نجومهم منصات التواصل الاجتماعي.
الاتهام الحقيقي يجب أن يُوجه إلى الحاضنات الرئيسية المتمثلة في المؤسسات الفوتوغرافية الرسمية العربية التي تخلت عن دورها ومسؤولياتها الكبرى كحارس للمنهجية ومرجع للثقافة البصرية, ويجعلها تتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية التدهور المعرفي، بعدما تحولت بعض هذه المؤسسات مع الوقت من منارات معرفية إلى نوادٍ اجتماعية.
هذا الطرح قد يبدو هجومياً وغير عادل من البعض، لكنه في الحقيقة نقد إصلاحي. المؤسسات القوية الصادقة هي التي تتقبل النقد لتبني مساراً تعليمياً صحيحاً يحمي الأجيال القادمة من المصورين.
- غياب المعايير الأكاديمية والارتهان للهواية
المشكلة الجوهرية في معظم المؤسسات الفوتوغرافية العربية هي أنها تُدار بعقلية “الهواة” لا بعقلية “الأكاديميين”. نادراً ما نجد مؤسسة تضع منهجاً تعليمياً معتمداً يفرق بين الفيزياء والجماليات.
وبدلاً من أن تكون هذه المؤسسات هي الفلتر الذي ينقي المفاهيم، أصبحت هي نفسها تروج لمدربين يخلطون بين توقيت الضوء وأنماط الإضاءة، طالما أن هؤلاء المدربين يملكون عدداً كبيراً من المتابعين.
- فخ المسابقات على حساب المعرفة
اختزلت المؤسسات الفوتوغرافية دورها في تنظيم المسابقات وتوزيع الألقاب. حيث أصبح المصور المبتدئ يلهث وراء “لقب” أو “درع” قبل أن يفهم سيميائية الصورة أو نظريات التكوين.
هذا التركيز على “النتيجة النهائية” (الصورة الجميلة) وتجاهل “العملية المعرفية” (كيف ولماذا صُورت؟) خلق جيلاً من المصورين “التقنيين” الذين يفتقرون لأي عمق ثقافي أو فلسفي.
نحن لسنا ضد التحفيز وتعزيز مكانة المصور بل نحن لسنا مع خلق جيل غير مدرك لأهمية المعرفة ويفتقد للوعي البصري.
الجوائز لا تصنع المعرفة، بل المعرفة هي التي تعطي الجوائز معناها.
- الصمت عن التضليل المعرفي
إن صمت المؤسسات عن المحتوى التعليمي المشوه الذي يُقدم باسم التصوير هو تواطؤ ضمني. المؤسسة التي لا تملك لجنة علمية أو تعليمية تراقب جودة ما يُقدم تحت مظلتها أو في محيطها، هي مؤسسة تساهم في تجهيل أعضائها.
عندما يُقدم الخداع البصري أو المعالجة المفرطة كإبداع فني دون تأصيل نظري، فإن المؤسسة هنا تخون أمانتها التربوية.
بعض المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تكتسب ثقة المبتدئين ليس بعلمها، بل بأسمائها (سواء العربية أو الأجنبية)، ومناصب مسؤوليها، وتفاعلات متابعيها. وهذه الثقة الزائفة هي أخطر أنواع التضليل.
- غياب النقد البصري الرصين
أين هي المجلات الدورية أو الندوات الفلسفية التي تقيمها هذه المؤسسات لمناقشة نظريات الرؤية؟ معظم النشاطات تنحصر في رحلات تصويرية أو ورش عمل تقنية سطحية.
لقد غاب الناقد وحل محله المجامل، وغابت المحاضرة العلمية وحلت محلها الدردشة التقنية. هذا الفراغ النقدي هو الذي سمح لسلطة المفاهيم العشوائية بأن تسود.
- المسؤولية الأخلاقية: نحو ميثاق تعليمي
نحن في أشد الحاجة لتتوجه هذه المؤسسات بوقفة جادة مع الذات. حيث أن المسؤولية الأخلاقية تقتضي:
أولاً: تفعيل دستور ونظام لأخلاقيات المهنة يتم تربية الأجيال عليه قبل تعليمهم المهنة ذاتها.
ثانياً: وضع معايير صارمة لمن يتصدى لعملية التعليم الفوتوغرافي تحت مظلتها أو في محيطها.
ثالثا: اعتماد مناهج تفرق بوضوح بين التقنية، الفيزياء، الفن، والتاريخ.
رابعاً: التوقف عن تقديس الألقاب والبدء في تقديس المعرفة.
إن المؤسسات الفوتوغرافية ليست مجرد جهات لتنظيم المعارض، بل هي حصون معرفية. وإذا استمرت هذه الحصون في تجاهل الفوضى المفاهيمية والجريمة التربوية التي تُرتكب بحق المبتدئين، فإننا سنواجه مستقبلاً بصرياً مشوهاً، حيث يملك الجميع “كاميرات احترافية” ولا يملك أحد رؤية واعية.
آن الأوان لتستعيد المؤسسات دورها التربوي، أو لتعلن صراحة أنها مجرد “نوادٍ للترفيه”، وليتركوا التعليم لمن يقدر قيمته العلمية والأخلاقية.
قبل عشرة أعوام
نشرت تحت عنوان (المؤسسات الفوتوغرافية العربية تحت المجهر)، وطرحت سؤالاً: “الجمعيات الفوتوغرافية العربية.. نعمة أم نقمة على واقع التصوير العربي؟”
فهل تغير الحال بعد كل هذه السنوات؟
الإجابة: للأسف، ما زال المستنقع يزداد عمقاً يوماً بعد يوم، ولا حياة لمن تنادي.
يحيى مساد
انتظروني في القسم الرابع
(الحل والأمل) وعي المصور العربي
سلسلة المقالات ذات العلاقة:
المقدمة:
https://www.facebook.com/photo?fbid=10240876986725750&set=a.1606311281480
الجزء الأول: التشخيص
https://www.facebook.com/photo?fbid=10240905487278246&set=a.1606311281480
الجزء الثاني: التفكيك
https://www.facebook.com/photo?fbid=10240951020896558&set=a.1606311281480
Yahya_Massad
@followers
@highlight


