كتب التونسي : د. عبدالدائم السلامي..عن رواية «اللحن المفقود» للكاتب: أسامة رقيعة.

د. عبدالدائم السلامي – تونس 

لا أشك في أن قارئ رواية «اللحن المفقود» للكاتب أسامة رقيعة الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعمان/ الأردن سنة 2015 واجد فيها هذه الروح الحكائية بعد أن نفخ فيها الكاتب في صلصال بيئته الريفية بما به من هيج رغبة كل مفردة من مفرداتها في سرد حكايتها سرداً وئيداً وئيداً ، وفيها تخفف ظاهر من تعقيدات التجريب الروائي وثقل مقولاته النظرية، وفيه حنين إلى منظومة القيم الأخلاقية التي راحت تتآكل في مجتمع القرية بسبب تضارب المصالح الشخصية لأفراده بعد أن كانت تمثل السنن الذي يزع الناس بعضهم عن بعض – على حد عبارة ابن خلدون – ويخلق لهم وحدة ضميرهم الجمعي. وفي هذا السرد أيضاً يحضر تنافر لعواطف البعض من هؤلاء وتضافر لمصائر البعض الآخر منهم.

ما الذي طرأ على واقع مجتمع القرية وحرّك الأحداث فيه إذن؟ إنه تغيّر سرديات الناس، تغيّر عنوانه غياب اللحن الناظم لجريان أفعالهم، وانشطار وعيهم بما حولهم ما ساهم في تنامي تغيّرهم الأخلاقي وتبعثرهم الاجتماعي. وهو تغيّر وهو تبعثر أجتهدت الرواية في تقديم صورة لهما منذ افتتاحيتها، إذ يحلم راويها في هناءة ليله الصيفي بانشقاق القمر إلى نصفين متباعدين، ويذهب في تأويل ذلك إلى أن الانشقاق ليس إلا علامة من علامات موته الذي يحمل ضمناً على موت براءة بيئته الاجتماعية. فيقول:

“وبقيت ناقص الثبات أوزع نظراتي إلى نصفي القمر في وجل ثم أحاسب نفسي وأنا في تلك البدايات الأولى من عمري… كيف لي أن أقابل ربي وقد جاءت الساعة وانتهت هذه الحياة الحلوة؟”.

هي بالفعل حياة حلوة تحتضنها قرية «ترقد في وداعة إلى جوار النيل، تستلهم منه الجود والعذوبة، وتستمد منه العكر أحيانا». وإن من العكر ما تكتظ به الأحلام وينبني تأويله بما سيحدث في واقع قرية الراوي من فساد في سجايا أهلها وإفساد فيها.

تجريم البطل

تتخذ الرواية من شخصية (عبد القيوم) منوالاً بطولياً تفسّر به تأزم منظومة القيم الأخلاقية داخل القرية، إذ تقدمه للقارئ في إهاب «رجل عريض البنية وأفر الوقار تلمح في قسماته وضاءة حبّه للناس»، ثم هي تلقي به في تجربة حياتية تتعاور روحه فيها طاقتان: صورة الأولى حبّ كامن فيه، يحفزه باستمرار على التفاني في خدمة الآخرين، وصورة الثانية تنكّر له من قبل مجموعته الاجتماعية. لكأنما الرواية قد استحضرت بيت (العرجي) الذي يقول في صدره:”أضاعوني وأي فتى أضاعوا”فاختارت هي أيضاً إضاعة بطلها عبد القيوم ولو إلى حين، وإن لا تحمل صفة البطولة فيه إلا بعد إخضاعه لامتحان أن يكون ضحية: ضحية بطولته وكريم شمائله .

ذلك أنه بقدر ما سعى عبد القيوم إلى حب الناس، سعى متنكّر هؤلاء إلى تجريده من فضائله عليهم عبر تصديق تورطه في قضية قتل ، فالقرية لم تصدق جهد آمنة – زوجة عبد القيوم – تبرئته، بل لم تشفع لها حتى الذبائح والكرامات لتي تعجلتها، فعقول القرية قد تحجرت وصورة الخير قد ارتسمت في وجدانهم نقشا محفورا بأزميل موروث. وسيبدو أن خيار تجريم بطلها أمر ذو وجاهة دلالية للقارئ في الصفحات الأخيرة منها.

وقد احتاجت الرواية في تسريد تلك القضية إلى حبكة ذات ملمح بوليسي، وتفاصيلها تنبّه الناس إلى وجود جثة شاب ملقاة بأحد أطراف قريتهم، جافته أثر طعنة عميقة في الظهر، وقد تبين لهم أن القتيل هو (عثمان ود نايل) الذي حضر حفل زفاف (ضراع الليل ود حامد) بـ(أمونة بنت سعد)، «جميلة القرية التي يعرفها الجميع، بنظرتها البريئة التي تسافر في أكباد الشباب كحلم موجع.

وقد عرف القتيل بكونه يعشق العروس ورغب في الزواج منها ولم يفلح ، ما دفعه إلى أن يشاكس العريس يوم زفافه فقدم شيئاً من قطعة لحم ثم أعطاه بقيتها قائلا له بإستفزاز؛ بعض الناس بنترك لها البواقي والفضلات، وأتبع ذلك موبوءة بالخبث، وهو أمر استرعى انتباه عبد القيوم الذي أنهى ذبح خرفان العرس، فراح والسكين الحادة في يده يؤنب هذا الشاب بشدة في محاولة منه لثنيه عن مشاكسة العرس.

وقد اتكأ الناس على ذلك المشهد ليتهموا عبد القيوم بالجريمة، وأبلغوا عنه الشرطة التي اقتادته إلى السجن، ولم تفلح جهود الرواي في تكليف محام للدفاع عن المتهم الذي أعترف تحت ضغط الشرطة بأنه القاتل.

لغة بلا ثياب

لئن أظهرت الرواية انتصارها للحق والخير بإعلانها براءة عبد القيوم، بعد أن تبين أن أخت العريس (ميمونة) هي التي قتلت (عثمان ود نايل) انتقاماً منها لكرامة أخيها، فإنها لم تخف يأس الراوي من عودة قريته إلى براءتها الأولى التي هي لحنها المفقود، ويتجلى ذلك في قوله:

“أريد واقعاً، أريد حاضراً يمثل أمامي ويشبعني، واقعاً مليئاً بالمحبة والصدق والإيمان، واقعاً يترنم على لحن الأحلام ثم يمنحنا ما نشد به عضد الفقير بيننا”.

وهو قول نستشف منه خوف الراوي، ومن ورائه خوف الكاتب، من إمكان استشراء العداوة بين سكان القرية، ونحن واجدون ما يبرر هذا الخوف في دلالة الأسماء الواردة بالرواية، وذلك من جهة أن اسم عبد القيوم مخالف في تكوينه لطبيعة باقي أسماء شخصياتها، حيث لا يتوفر على طاقة تعين المسمى في التخصيص على غرار (عثمان ود نايل) و(ضراع الليل ود حامد) و(أمونة بنت سعد). فالقيوم اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا يجعل كل الناس عباداً لله القيوم، ومن ثمة فإن اسم (عبد القيوم) يحيل على كل فرد من مجتمع القرية. وكأن الرواية تعي بأن محنة بطلها قابلة لأن تتكرر في الواقع لدى باقي عباد الله متى غلبوا نزوعهم إلى الشر على توقهم إلى الخير والمحبة والتسامح.

خاتمة المقال

الإشارة إلى أن جملة أسامة رقيعة إنما هي جملة شفافة تراها العين بلا أثواب، فهي تعيد قارئها بكشف طبقات دلالاتها وعدداً منزوياً يتمتع خفياً، ولا تنتهي في خلال نفسها تحوّل على قارئها في عدم الاكتفاء بما يظهر له من معانيها وتحرضه على الغوص في أعماق تكوينها ليسهل عليه حينذاك تفسير محمولها وبلوغ جوهره.

ولعل في شفافية هذه اللغة ما مثل سبيل الكاتب إلى عقد نصه بطاقة كبيرة على تحريك الأحداث والإخبار عن فواعلها وتوصيف بيئتهم تاريخية هي من روح الرواية السودانية عنوان من عناوينها، وما تأكيدي خصوصية السرد السوداني ونجح إبداعاته إلا دعوة للإعلام الثقافي العربي لينصب بجهده على إصدارات احفاد الطيب صالح حتى يفك عزلتها الجغرافية تعريفاً بها وبحثاً في شعرياتها وتأويلاً لإبداعاتها.

أخر المقالات

منكم وإليكم