نوال الحلبي..
غواية اللون واستعادة جماليات القدامة في الجسد النسوي
علي الرّاعي
قد تشترك أو تتقاطع شواغل الفنانة نوال الحلبي بالكثير من شواغل زملائها في المشهد التشكيلي السوري، من تحميل الجسد النسوي للقيم الجمالية والمضامين الفكرية والبحثية، وربما كمجال مفتوح لاستكشاف العلاقة بين الذات والعالم، غير أنها، وهنا تكمن فاعليتها الإبداعية، ستفارقهم في اللون الذي ستختاره لأعمالها، اللون الذي سيشكّل لدى الحلبي غوايتها الإبداعية والمجال الأرحب لبناء عمارتها الفنية.
وفي الاقتراب من أعمال الحلبي، يكشف منذ اللحظة الأولى عن خصوصية ذلك الحضور للون الذي يبدو كأنه الغواية التي تقود الفنانة إلى بناء عالمها التشكيلي الخاص، ذلك اللون الذي ينوس بين التعتيق واختيار الألوان أو معالجتها لتتجلى فيها جماليات القدامة، لا سيما الأصفر المخضر، أو الأزرق البعيد الطالع من سوريا العتيقة، وبين الألوان الصريحة التي تأخذ بتكوينات اللوحة إلى حواف التجريد.
الجسد كحامل دلالي
يأتي اللون هنا كوسيلة لاستحضار الذاكرة، ومجال لإعادة تشكيل المرئيات وفق حساسية بصرية تتأرجح بين جماليات القدامة ومقتضيات التعبير المعاصر، ومن هنا يمكن النظر إلى أعمالها بوصفها محاولة للموازنة بين مرجعيات بصرية تستدعي أثر الزمن، وبين رغبة في تحرير التكوين من حدود التمثيل المباشر، ودفعه نحو مساحات أكثر رحابة من التعبير والاختزال، فيما تتخذ المرأة مكاناً مركزياً في عدد من الأعمال، إذ تحضر كبنية تشكيلية قابلة للتحول تتداخل فيها الكتلة والخط واللون، وتتعدد عبرها مستويات القراءة.
قراءة مقربة
في إحدى لوحاتها، ثمة مجموعة من الوجوه والأجساد النسوية تتجاور في بناء يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى صورة جماعية، وجوه تتقدم نحو المشاهد، وأخرى تتوارى خلفها، وامرأة تحتل مساحة بارزة من اللوحة، فيما يظهر جسد أصغر في القسم السفلي، كأنه امتداد لعالم الشخصيات المحيطة به أو ذاكرة تتجسد داخل المشهد.
تكوينات تتجاور ضمن فضاء تتداخل فيه المستويات، وتتحول فيه الأحجام إلى وسيلة لترتيب الأهمية البصرية، فالوجه الكبير يشارك في تأسيس بنية عامة، فيما تتراجع الأجساد وتتداخل حدودها مع الخلفية، حتى يصعب أحياناً الفصل بين الشخصية وما يحيط بها من علامات، وهنا تحضر الشخصيات لتتجاوز اللحظة المباشرة، وكأنها تنظر من وراء طبقات من الذاكرة، وتترك للمشاهد أن يستكمل ما لا تقوله ملامحها.
الغواية التي تقود التكوين
يُشكّل اللون عند الحلبي القوة التي تمنح الموضوع خصوصيته التشكيلية، عندما تجعله عاملاً فاعلاً في بناء التكوين، وفي تحديد العلاقات بين الشخصيات والخلفيات، وفي خلق المناخ النفسي الذي تتحرك داخله اللوحة.
ويظهر ذلك بوضوح في لوحة تالية، إذ تتقدم الأجساد النسوية وسط شبكة كثيفة من الأشكال الهندسية والخطوط والزخارف، وتغمر المشهد درجات من الأصفر والأخضر والبني والأبيض والأسود، وتتخللها مساحات لونية تبدو كأنها آتية من طبقات زمنية مختلفة. فيبدو اللون كأنه مرّ بتجارب عديدة، وتعرض لعمليات من الإضافة والمحو والتعتيم والكشف، لاسيما مع تجاور المساحات الصفراء المخضرة مع درجات ترابية، وتظهر البياضات وسط العتمات، كما تتوزع الخطوط السوداء على السطح، لتمنحه إيقاعاً بصرياً يتجاوز حدود الأجساد المرسومة، كمعالجة تستحضر جماليات السطوح المعتقة، وما يمكن أن تتركه الأزمنة المتعاقبة من آثار على الجدران والأشياء والصور، في محاولة أقرب إلى استعادة روحه البصرية، عبر لون يحمل آثار التآكل والتراكم، ويمنح اللوحة إحساساً بأنها ليست وليدة لحظتها الراهنة وحدها.
الزمن وحرية التجريد
وفي لوحة ثالثة، تتداخل فيها الأجساد وتتقاطع حدودها، فيما تتراجع الملامح أمام كثافة المعالجة اللونية والخطية. فتتوزع الأصفرات والبياضات والزرقات والخضرات على امتداد السطح، فيما تتسلل الخطوط السوداء في اتجاهات متقاطعة، لتخلق نوعاً من الحركة الداخلية التي لا تستند إلى فعل محدد تقوم به الشخصيات، وإنما تنبع من العلاقات بين العناصر التشكيلية نفسها.
فالأجساد هنا طويلة، متجاورة، تكاد تتماهى في بعض المواضع مع الخلفية، وهي لا تتحدد دائماً بحدود مغلقة، بل تتشكل من خلال ضربات اللون، ومن تقاطعات الخطوط، ومن المساحات التي تتركها الفنانة مفتوحة على احتمالات متعددة. وفي هذه اللوحة، لا تهدم الفنانة الصورة التشخيصية، بل تفتحها على احتمالات التجريد، وتترك بين الوضوح والغموض مساحة يشارك فيها المشاهد في بناء المعنى.
إيقاع السطح وذاكرة المكان
وأما الخط، فيحتل مكانة مهمة في بناء اللوحة لدى الحلبي، إذ يتحول إلى عنصر مستقل نسبياً، يشارك في تنظيم السطح، ويمنحه كثافة وإيقاعاً، في اللوحة الأولى التي أشرنا إليها، تظهر الخطوط البيضاء والسوداء داخل الشعر، وعلى الملابس، وفي المساحات المحيطة بالشخصيات، فتمنحها نوعاً من التماسك البصري، وخلالها تبني فضاءً مشغولاً بالتفاصيل والعلامات والآثار.
وفي اللوحة الثانية، تتسع هذه الوظيفة، فتتداخل الخطوط المتعرجة والمستقيمة مع وحدات هندسية وأشكال نباتية صغيرة، فتتجاور الزخرفة العضوية مع البنية الهندسية، وتبدو بعض الأشكال كأنها تستعيد مفردات من الفنون الشعبية أو الزخارف الشرقية، من دون أن تنحصر في مرجعية واحدة يمكن الجزم بها.
ولعل أهمية هذا التداخل تكمن في أن الزخرفة لا تبقى هامشاً يحيط بالشخصيات، بل تدخل في صميم تكوينها. فالأجساد نفسها تصبح أحياناً امتداداً للنظام الزخرفي، كما تتحول الخلفية إلى مجال تتوزع فيه الإشارات البصرية على نحو يجعل السطح كله وحدة مترابطة.
اللون كذاكرة مفتوحة
إن قراءة تجربة نوال الحلبي من خلال هذه النماذج تكشف عن فنانة تجعل من اللون مدخلاً إلى أسئلة أوسع تتعلق بالذاكرة والزمن والهوية البصرية، وما يميز هذه التجربة أيضاً ذلك التوتر الجمالي بين اتجاهين: اتجاه يشد اللوحة إلى ذاكرة بصرية تستحضر أثر الزمن، وآخر يدفعها إلى التحرر من الصورة المألوفة والاقتراب من التجريد، وبينهما يتحرك اللون، مرة كطبقة تعتّق الشكل وتمنحه عمقه التاريخي، ومرة كقوة تنزع عنه استقراره وتفتح حدوده على احتمالات جديدة.


