ابن السما الأوغاريتي / 3
كتب الصديق بسام جبلاوي …
لن أسرد في هذا المقال أو المنشور سيرة الأديب والاعلامي سجيع قرقماز، وَلا أعماله الأدبية وَبحوثه ومقالاته الممتعة، وَلن أسهب بالشرح والتفصيل في هذا المجال وإلا لتطلب الأمر مجلدات ومصنفات، لاسيما وأن انتاجه غزير، وَفضله على التراث والتاريخ والأدب كثير، وإن كنت أشك كثيراً في الحقل الأخير، لأن سجيع على ما يبدو معه عداوة مع الأدب – كما نفهم الأدب بالمعنى العامي للأدب – وأدِب، صوابها أدَب، كما يقال وتعني التهذيب والتزام قواعد اللياقة والتصرف السليم .
ولغة الأدب الظرف وحسن التناول وما يحترز به من جميع أنواع الخطأ، أو هو ملكة تعصم من قامت به عمّا يشينه .
ويقال ( أدَبخانِة ) وتعني مرحاض . من التركية adabkhaneh من أدب العربية وخانة الفارسية : المكان . سمي كذلك مراعاة للشرع الذي يمنع فيه الكلام . يرادفه المنصعة والغائط والمستراح وكبينة، ثم تواليت و …..إلخ .
ومن الجدير ذكره في هذا السياق أن الأديب سجيع قرقماز، قدم منذ عامين تقريباً وأمام حشد واسع من الناس محاضرة بعنوان : ( الششمة ) وذلك في إشارة ذكية منه إلى التمدن الحضاري لأسلافنا القدماء قبل آلاف السنين في مملكة أوغاريت، الذين لم يسبقهم أحد إلى تركيب شبكات الصرف الصحي .
و ( شَشْمَة ) تعني مرحاض، كنيف، من الفارسية tchechmeh : ينبوع . ويدل أصلها على وجود ماء جارٍ في بيت الخلاء .
ربما خرجت عن مسار الكلام، وهذا لا يمنع أن أروي عن صديقي الطيب الفاجر الفاخر، على مبدأ {{ ونفس وما سواها ¤ فألهمها فجورها وتقواها }} ٧ – ٨ سورة الشمس . أسرد عنه فقرات موجزة أو لقطات خاطفة، طريفة، ظريفة، عما يخفي من سيرته وأعماله في فترات متباعدة من الزمن، من آراء وأفكار، وخفايا وخبايا، ومقالب مقلوبة، وحكايا مسكوبة من الذاكرة مسلوبة . إذ تربطني، كما قلت، بالصديق سجيع قرقماز صداقة عميقة عتيقة كمدينتنا العتيقة، ويجمع بيني وبينه منهج مشترك في الشك والبحث، والتجربة والمشاهدة، ولعل في ذلك ما يلقي بعض الضوء على سيرته الشخصية والذاتية الضمنية، التي يكاد هو أن يتذكرها، اضافة إلى معاناته المرَّة، من أشياء كثيرة، ومواقفه المشرفة، وسعيه المتواصل في سبيل ( راميتا ) ، والمملكة العظيمة أوغاريت ..، ومدينته التي وصفها ابن بطوطة بالعتيقة، اللاذقية، وجهوده التي لا تنكر بمختلف المجالات الفكرية والثقافية والفنية والاعلامية .
عرفت الصديق قرقماز، مذ كنت طالباً في المرحلة الثانوية ..، عرفته بزهوه وخيلائه، وعنفوانه الذي يدنو من العظمة بقدر ما يدنو من التواضع، وهذا ما جعلني أأنس إلى اسلوبه الجزل المحبب، رغم ما يعتريه من فظاظة في بعض الأحايين، وكنت أرى أن هذا من حقه، لاسيما وأنه كان واحداً من القلة القليلة الذين يتابعون دراساتهم الجامعية، وأين ..! في كلية الآداب – قسم اللغة الانجليزية، حيث المُنَحُوت والمُفذلك وأحدث أنواع الموضة والموديلات، وآخر أيام الشارلستون، والهبيين، والكابووي/ جينز لاحقاً، والسوالف الطويلة للشباب ان لم يكونوا من الخنافس وغير ذلك من صرعات ذلك الوقت ..
ونحن / أنا ومجموعة من أقراني / نكاد أن نفك الحرف في هذه اللغة، وكنا نشعر بها وبشقيقتها الفرنسية بأنهما لغتي الاستعمار، فرضهما علينا، سايكس وبيكو، لعنهما الله . حتى أننا نتعثر كثيراً بكتابتها ما بين المقطع والموصل، وللحق يقال أن سجيع كان مغرماً في المقطع والموصل، وكان زاهداً في الشهرة، وزاهداً مما في أيدي الناس، ولذلك لم يكرهه الناس .
وكان راغب عن البهرجة والمتعة … معروفاً بحبه للمغامرة، وكثيراً ما كان رفاقه يتحدثون عنه كيف انطلق مع بعض أصحابه وعددهم لا يتجاوز أصابع الكف الواحدة برحلة على البسكليت / الدراجة الهوائية / من مدينة اللاذقية إلى غابات الفرللق عام 1971 وعادوا باليوم ذاته، وهذا ما جعل منه على مايبدو مغامراً لا يشق له غبار .
كثيراً ما كنت أراه وأقراني، أواخر سبعينيات القرن الفارط في الرابطة العمالية لاتحاد شبيبة الثورة، ضمن مقرها – آنذاك – المواجه للمشفى الوطني في شارع بغداد، لا يكتفي باستقباله الحسن لنا، وهو آنذاك – عضو قيادة رابطة، رئيس لجنة الثقافة والاعلام، كان يسمعنا ويسايرنا ويضحك علينا، ثم يرشدنا إلى كثير من فنون الكتابة الأدبية والعمل المسرحي، وكم كانت فرحتنا عامرة ورفاقي في الشبيبة عندما قدم لنا بطاقات دعوة مطبوعة تحمل أسماؤنا لأمسية أدبية مشتركة، سأقدمها وأقراني على منبر المركز الثقافي في اللاذقية، حقق لنا ذلك سجيع، قبل أن نحلم بما حقق / شكراً سجيع لقد ساهمت في تكوين شيء من شخصيتنا، لذا إذا رأيت فينا عيباً أو نقصاً من ذاتنا فلا تلمنا، ربما أنت السبب …! / …
وتتالت الأمسيات ومعها كانت تترى البطاقات، لاشك أن عمله هذا، جعلنا نلتف حوله أكثر، وهو الذي يسبقنا بنصف عقد من الزمن، وكان إيماننا راسخ بأن من يكبرك بيومٍ أفهم منك بسنة “
وللحقيقة فإنه كفا ووفا .
ابن السما الأوغاريتي .


