كتب احمد محمد حسين عن فيلم ،84 Charing Cross Road،الفيلم مبني على قصة حدثت، مما اعطاه متانة وعاطفةحقيقية.

يبدو فيلم 84 Charing Cross Road للوهلة الأولى عملًا بسيطًا للغاية؛ لا أحداث صاخبة، ولا حبكة متشابكة، ولا انقلابات درامية كبرى. لكنه من تلك الأفلام النادرة التي تكتشف بعد انتهائها أنك لم تشاهد قصة بقدر ما عشت تجربة إنسانية كاملة عن الصداقة، والكتب، والزمن، والمسافات التي تفصل بين البشر وتجمعهم في الوقت نفسه.

الفيلم مأخوذ من قصة حقيقية، وهذا ما يمنحه صدقه العاطفي المذهل. تبدأ الحكاية برسالة ترسلها الكاتبة الأمريكية Helene Hanff إلى مكتبة صغيرة في لندن تبحث فيها عن كتب يصعب العثور عليها في نيويورك. يرد عليها الموظف الإنجليزي المهذب Frank Doel، ومن هنا تبدأ مراسلة تستمر لعشرين عامًا تقريبًا. عشرون عامًا من الرسائل فقط. لا لقاءات، لا مكالمات، لا صور تقريبًا. مجرد كلمات على الورق.

لكن ما يفعله الفيلم بعبقرية هو أنه يحول هذه الرسائل إلى حياة كاملة.

في زمننا الحالي، حيث يمكن للناس أن يتحدثوا كل ثانية عبر الهاتف والفيديو ثم يظلوا غرباء عن بعضهم، يبدو من المدهش أن تنشأ واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية عمقًا عبر رسائل تستغرق أسابيع لتصل. كأن الفيلم يريد أن يقول إن القرب الحقيقي لا يُقاس بالمسافة الجغرافية بل بمدى قدرة شخصين على الإنصات لبعضهما.

هيلين امرأة صاخبة، ساخرة، حادة اللسان، تعيش في نيويورك بطاقة أمريكية لا تهدأ. أما فرانك فهو إنجليزي حتى النخاع: هادئ، متزن، متحفظ، يزن كلماته قبل أن يكتبها. ومن المفترض أن هذا الاختلاف الهائل يجعلهما بعيدين عن بعضهما، لكنه يصبح السبب الحقيقي لتقاربها. كل منهما يرى في الآخر عالمًا مختلفًا يفتقده. هي تجد في فرانك ذلك الاتزان والرقي اللذين تحلم بهما، بينما يجد هو في رسائلها حرارة إنسانية تكسر رتابة حياته اليومية.

الأجمل أن الفيلم لا يجعل الكتب مجرد خلفية للأحداث، بل يجعلها الشخصية الثالثة في العلاقة. الكتب هنا ليست أوراقًا مطبوعة، بل جسور تربط الأرواح. كل كتاب يرسله فرانك يحمل جزءًا منه، وكل طلب ترسله هيلين يحمل جزءًا منها. ومع مرور السنوات تصبح الكتب لغة حب من نوع خاص؛ حب ليس بالمعنى الرومانسي التقليدي، بل حب الإنسان للإنسان، حب العقل للعقل، والروح للروح.

هناك أفلام كثيرة تتحدث عن القراءة، لكن قليلًا منها يفهم فعل القراءة بهذا العمق. فهيلين لا تطلب الكتب لأنها تريد امتلاكها، بل لأنها تبحث عن حوار مع عقول غابت منذ قرون. وفرانك لا يبيع الكتب بوصفها سلعًا، بل يتعامل معها كأمانات ثقافية يجب أن تصل إلى من يقدرها. لهذا تبدو المكتبة في الفيلم أشبه بمعبد صغير للحضارة الإنسانية، مكان تقاوم فيه الكلمات خراب العالم.

ومن أكثر ما يلامس القلب أن العلاقة تنمو في ظل أحداث تاريخية قاسية. بريطانيا الخارجة من الحرب العالمية الثانية تعاني التقشف ونقص الغذاء، بينما تعيش هيلين في أمريكا ظروفًا أفضل نسبيًا. لذلك تبدأ بإرسال الطرود الغذائية إلى فرانك وزملائه. هنا يتحول الأدب إلى تضامن إنساني. الكتب تقود إلى الصداقة، والصداقة تقود إلى العطاء. وكأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل أبدًا عن الرحمة.

الفيلم أيضًا تأمل حزين في الزمن. السنوات تمر بصمت. الرسائل تتراكم. الناس يكبرون. بعض الأحلام تؤجل. وبعض اللقاءات لا تحدث أبدًا. وكلما تقدم الفيلم نشعر بأن الزمن نفسه أصبح أحد أبطاله. ليس الزمن بوصفه عددًا من السنوات، بل بوصفه القوة التي تمنح الأشياء معناها وتسرقها في اللحظة ذاتها.

وهنا تكمن مرارة الفيلم العذبة. فالمشاهد يدرك تدريجيًا أن العلاقة التي استغرقت عشرين عامًا بنيت كلها على وعد مؤجل. هيلين تحلم دائمًا بزيارة لندن، وفرانك ينتظر دائمًا وصولها، لكن الحياة تظل تضع بينهما عقبة جديدة. المال أحيانًا، والعمل أحيانًا، والظروف أحيانًا أخرى. حتى يصبح التأجيل نفسه جزءًا من العلاقة.

وهذا ما يجعل النهاية مؤثرة إلى حد يكاد يكون موجعًا. ليس لأنها مأساوية بالمعنى التقليدي، بل لأنها تذكرنا بحقيقة نعرفها جميعًا ونحاول نسيانها: أن الحياة لا تمنحنا دائمًا الوقت الكافي لفعل كل ما نريده. هناك أشخاص نحبهم ونؤجل لقاءهم. أماكن نحلم بزيارتها ونؤجل السفر إليها. كلمات نريد قولها ونؤجلها إلى الغد. ثم نكتشف أن الغد ليس مضمونًا.

أداء Anne Bancroft مذهل في تجسيد هيلين؛ تمنح الشخصية مزيجًا نادرًا من الذكاء والمرح والوحدة الخفية. أما Anthony Hopkins فيقدم واحدًا من أكثر أدواره رهافة وهدوءًا. بعيدًا عن الشخصيات الصاخبة التي اشتهر بها، نراه هنا يصنع عالمًا كاملًا من النظرات والابتسامات الخجولة والجمل القليلة. الكيمياء بينهما استثنائية رغم أنهما يقضيان معظم الفيلم في بلدين مختلفين.

بعد انتهاء الفيلم يبقى شعور غريب. شعور بأنك فقدت أصدقاء حقيقيين لا شخصيات سينمائية. وربما هذا هو سر عظمة العمل. إنه لا يحاول إبهارك أو إدهاشك، بل يذكرك بأشياء بسيطة جدًا نسينا قيمتها: رسالة مكتوبة بخط اليد، كتاب يُرسل من مدينة بعيدة، صداقة تنمو ببطء، وإنسان يجد في إنسان آخر ما يجعله أقل وحدة في هذا العالم.

إنه فيلم عن الكتب، نعم. لكنه في جوهره فيلم عن الشوق. عن الصداقات التي تتجاوز الحدود. عن الكلمات التي تستطيع أن تبني وطنًا بين شخصين لم يجلسا يومًا على الطاولة نفسها. وعن تلك الحقيقة المؤلمة الجميلة: أن بعض أهم العلاقات في حياتنا لا تقوم على ما عشناه مع الناس، بل على ما تمنيناه أن نعيشه معهم. ولهذا يبقى 84 Charing Cross Road واحدًا من أكثر الأفلام دفئًا وحزنًا وإنسانية في تاريخ السينما، عملًا صغيرًا في حجمه، لكنه واسع كالعمر نفسه.

#السينما كما يجب ان تكون#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم