كتاب “الجلطة التي أنارت بصيرتي” للدكتورة جيل بولتي تايلور ليس مجرد كتاب عن تجربة مرضية، بل هو رحلة عميقة داخل الوعي والانسان والذات.
تروي المؤلفة، وهي عالمة متخصصة في علوم الاعصاب، تجربتها بعد تعرضها لجلطة دماغية عطلت جزءا كبيرا من وظائف نصف دماغها. وبينما كان ما حدث لها كارثيا من الناحية الطبية، تحول مع الوقت الى تجربة غيرت نظرتها الى نفسها والى العالم من حولها.
فقدان القدرة على الكلام، واضطراب الذاكرة والادراك، وصعوبة التواصل مع الآخرين، جعلها تعيش لحظات لم تعد فيها الامور تجري بالطريقة التي اعتادت عليها. وفي خضم هذا الانهيار، بدأت تكتشف شيئا مختلفا: ماذا يحدث للانسان عندما يهدأ ذلك الصوت الداخلي الذي يملأ رأسه باستمرار؟
تتوقف المؤلفة عند فكرة “الانا” وكيف نصنع صورتنا عن انفسنا من خلال افكارنا وذكرياتنا ومخاوفنا وتجاربنا. وعندما تعطلت بعض هذه الوظائف، شعرت بان حدودها المعتادة بدأت تتلاشى، ووجدت نفسها امام احساس مختلف بالوجود، اكثر هدوءا واتساعا.
ومن هنا يتحول الكتاب من حكاية عن جلطة دماغية الى اسئلة اكبر: من نحن؟ هل شخصيتنا ووعينا مجرد نتيجة لما يحدث داخل الدماغ؟ وما الذي يبقى منا عندما تتغير طريقة ادراكنا للعالم؟
ربما تكمن قوة الكتاب في انه لا يقدم اجابات جاهزة، بقدر ما يدفعنا الى التوقف والتفكير في اشياء نعيشها كل يوم دون ان نسأل عنها.
تجربة قاسية تحولت، بالنسبة للمؤلفة، الى فرصة لاعادة اكتشاف الحياة من زاوية مختلفة. وكأن الانهيار الذي كاد ان يسلبها كل شيء، فتح امامها بابا جديدا لفهم ذاتها والعالم.
“الجلطة التي انارت بصيرتي” كتاب عن المرض، نعم، لكنه ايضا كتاب عن الوعي، والهوية، والالم، وعن تلك اللحظات التي تغير الانسان من الداخل وتجعله يرى الحياة بعين مختلفة.
#سهيلا بورزق#مجلة ايليت فوتو ارت .


