كتاب شجرة الفستق .. عن إيران والعرب في قرن .. للدكتور مصطفى اللبّاد

  • علي حبيب الله

تحول الموقف الإيراني من فلسطين مع الإطاحة بالنظام الملكي عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية، إذ بات النظام الثوري الإسلامي الجديد في طهران ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها أساسًا ومرتكزًا لمشروعية إيران الإقليمية، مع التركيز على جانبها الإسلامي…

بكتابٍ لا يتجاوز 120 صفحة، يحاول مصطفى اللبّاد اختصار سيرة علاقة إيران السياسية بالعرب على مدار القرن العشرين، انطلاقًا من استعارته عن شجرة الفستق التي عنون اللباد كتابه بها “شجرة الفستق: إيران والعرب في قرن 1914-2013” الصادر بطبعته الأولى عن دار نوفل لعام 2025. وذلك بما لشجرة الفستق من دلالة متصلة بطبيعة السياسة الإيرانية، إذ يقارب اللباد تجذر الحضارة الإيرانية بتجذر الشجرة التي يلقبها الإيرانيون بـ”بسته خندان”، أي “الفستق الضاحك”، في تراب الهضبة الإيرانية. كما أن شجرة الفستق، في دورة حياتها الصبورة وتكيّفها مع أرضٍ قاسية وطبيعة ثمرتها الثمينة، يمكن قراءتها كاستعارةٍ للسلوك السياسي الإيراني.

وأكثر من ذلك، فإن الفستق أكثر شجرة إيرانية أتقنت فن البقاء في بلاد فارس تاريخيًا، تمامًا مثل فن بقاء أهلها بحساباتهم السياسية الدقيقة. وليست زراعة الفستق استثمارًا لعديمي الصبر، بل عمل إيماني بالمستقبل وإرث للجيل القادم؛ فالمزارع الإيراني الذي يغرس شتلة فستق لن يرى قِطافها قبل سبع إلى عشر سنوات. وقد رأى اللباد ذلك منعكسًا في النهج الاستراتيجي الإيراني مع جوارها والعالم. وبرأي الكاتب، فإن في دورة حياة الدولة الإيرانية ما يذكّر بدورة حياة شجرة الفستق نفسها: عامٌ من الحصاد الوفير، يليه، بشكلٍ طبيعي، عامٌ من الراحة والتعافي، تمامًا مثل شجرة الزيتون في فلسطين التي تثمر عامًا لتستريح في العام الذي يليه.

(غلاف الكتاب)

وهذا الإيقاع الدوري يلاحظه اللباد في السياسة الإيرانية عبر التاريخ، إذ شهدت إيران فترات “حملٍ” سياسي واقتصادي، كالامتداد العالمي للإمبراطورية الأخمينية، والنهضة الساسانية، والذروة الثقافية للدولة الصفوية، التي تبعتها فترات “سكونٍ” أو انهيارٍ من الغزو والصراعات الداخلية والانحدار. ينطبق هذا الإيقاع على تاريخ إيران الحديث في القرن العشرين كذلك. وفي ديناميات التحولات التي عصفت بالتاريخ الإيراني، فإن النخب الإيرانية قد تبنّت تكتيك شجرة الفستق؛ فهذه الأخيرة تعتمد على الرياح، لا على النحل أو الحشرات، لحمل حبوب اللقاح من الشجرة الذكرية إلى الأنثوية، في عملية دقيقة تعتمد على القرب والتوقيت وفهم اتجاه الريح كقوةٍ خارجية. وقد أجادت الدبلوماسية الإيرانية هذه الرقصة على أنغام ريح التحولات الإقليمية والدولية، ما حدا بصاحب الكتاب إلى مقاربة إيران بشجرتها التاريخية.

أما عن إيران والعرب، فإن الكتاب يُعنى بالعلاقة بينهما حديثًا على مدار القرن العشرين ومطلع القرن الحالي. وبصرف النظر عن التحولات الأيديولوجية التي طاولت الدولة الإيرانية على مدار القرن العشرين، فإن حسابات إيران، بحسب ما يفترض اللباد في مقدمة كتابه، تقوم على عاملين أساسيين: الأول، الطموح الإيراني المستمر في الزعامة الإقليمية. والثاني، رؤية التناقضات القائمة في المنطقة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، ضمن منظور يتجاوز التناقضات والقضايا في حد ذاتها، ليصل إلى محوريتها في صياغة التوازنات والحراكات في المنطقة، وكيفية استعمالها لمصلحة نفوذ إيران الإقليمي.

الجغرافيا

ينطلق مصطفى اللباد في فصل كتابه الأول من سؤال أساس مفاده: كيف نفهم إيران؟ ليجيب عنه بكلمة: “الجغرافيا”، إذ ليس للأيديولوجيا، ببعدها المذهبي ولا القومي، دورٌ في فهم الحركة الإقليمية للسياسة الإيرانية كما للجغرافيا من دور. يقول اللباد حرفيًا: “ليست الأيديولوجيا هي ما يجب التركيز عليه في تحليل السياسات الإيرانية، على الرغم مما لها من أهمية، بل الجغرافيا السياسية التي تطبع بطابعها الحسابات الجيو-سياسية لإيران…”. بالتالي، فإن مساحة إيران أولًا، وطبيعتها الجبلية الصخرية ثانيًا، معطوفًا عليهما الفسيفساء العرقية المميزة لإيران، هي ما يأخذه اللباد بعين الاعتبار لفهم إيران.

تمتد مساحة إيران على مليون وستمائة وأربعة وثمانين كيلومترًا مربعًا، وفيها سلسلة جبال زاغروس التي تنداح بطول 1600 كيلومتر من جنوب تركيا وشمال العراق نحو حدود إيران من تركيا وأرمينيا شمالًا، وصولًا حتى مضيق هرمز جنوبًا. ثم سلسلة جبال ألبرز التي تمثل جسرًا بين القوقاز في الشمال، وجبال الهندوكوش في أفغانستان إلى الجنوب، لتمثل إيران، من الناحية الاستراتيجية، جسرًا بين الهند والبحر الأبيض المتوسط. وفي وسط إيران صحراوان: دشت كبير، وتمتد من قم شمالًا حتى أفغانستان جنوبًا، ودشت لوت التي تمتد جنوبًا حتى بلوشستان. كما تنفتح إيران جنوبًا على المياه المفتوحة على الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي.

يذكّر اللباد، على ضوء ذلك، بأن معظم سكان إيران من القومية الفارسية يقطنون قلب البلاد الإيرانية الداخلية، فيما تسكن القوميات العرقية الأخرى أطراف البلاد، مما يجعل الهاجس العرقي في إيران هاجسًا جغرافيًا في الوقت نفسه. وإذا ما نظرنا إلى الحرب الأخيرة على إيران، سنجد أن الجغرافيا نفسها هي من أعادت لإيران الثقة بنفسها في قتالها العدوان عليها، لتثبت أثر الجغرافيا في السياسي في إيران تاريخيًا. ومن هذا المنطلق ينطلق الكاتب في سرد سيرة علاقة إيران بجوارها العربي على مدار قرن.

أخر المقالات

منكم وإليكم