في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وفي مدينة البصرة التي كانت تغلي بالتيارات الفكرية والاضطرابات السياسية، ظهرت واحدة من أكثر الجماعات الفكرية سرية وغموضاً في تاريخ الفكر الإنساني: “إخوان الصفا وخِلاّن الوفا”. كانت الجماعة مشروعاً طموحاً يستهدف إعادة هيكلة الوعي الإنساني والمجتمعي، في وقت رأوا فيه أن الدين قد تنجس بجهالات العوام وطموحات السلاطين، وأن المجتمع يعيش حالة من التخبط والانحطاط.
تمثل الأثر الأكبر لهذه الجماعة في إنتاج موسوعة ضخمة تتألف من اثنتين وخمسين رسالة، عُرفت بـ “رسائل إخوان الصفا”. غطت هذه الرسائل كل المعارف البشرية المتاحة آنذاك، من الرياضيات والموسيقى والتنجيم، إلى الطبيعيات، وعلم النفس، والميتافيزيقا، والسحر. المنهجية التي اتبعها إخوان الصفا كانت فريدة من نوعها؛ فقد قاموا بـ “توليفة” (Syncretism) عبقرية جمعت بين الفلسفة اليونانية (خاصة الفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة)، والموروثات الهرمسية والفارسية، وبين النص القرآني والتأويل الباطني.
كانت العقيدة المركزية لإخوان الصفا تقوم على مبدأ إبستمولوجي صارم: “الشريعة قد دُنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة”. لقد رأوا أن الحقيقة واحدة، سواء تجلت في الوحي النبوي أو في العقل الفلسفي، وأن التناقض يقع فقط في عقول القاصرين عن إدراك “الباطن”. وقد استخدموا الأرقام والرموز الفيثاغورية لتفسير مراتب الوجود، معتبرين أن الكون عبارة عن إنسان كبير (ماكروكوزم)، وأن الإنسان هو كون صغير (ميكروكوزم).
على المستوى السياسي والاجتماعي، لم يكن إخوان الصفا مجرد دراويش معزولين، بل كانوا دعاة لمشروع “المدينة الروحانية الفاضلة”. لقد آمنوا أن المعرفة هي طريق الخلاص، وأن التدرج في العلوم سيؤدي في النهاية إلى ارتقاء الروح، مما يمهد الطريق لولادة مجتمع تحكمه الحكمة والصفاء الروحي، بعيداً عن صراعات المذاهب. ورغم اختفاء أفراد الجماعة خلف ستار السرية الدائمة، إلا أن رسائلهم تسربت لتشكل الوعي الباطني والفلسفي لقرون قادمة.
#مجلة إيليت فوتو آرت


