شكّلت المسألة الروسية إحدى القضايا المهمة التي شغلت فكر كارل ماركس وفريدريك إنجلز، ولا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ لم تكن روسيا بالنسبة إليهما مجرد دولة أوروبية ذات نظام سياسي واقتصادي مختلف، بل كانت تمثل إشكالية تاريخية تضع بعض التصورات المتعلقة بالتطور الاجتماعي والانتقال إلى الاشتراكية موضع الاختبار.
وقد انطلق اهتمامهما بروسيا من ثلاثة أبعاد مترابطة: طبيعة نظامها السياسي، وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية، وإمكانية سلوكها طريقًا تاريخيًا مختلفًا عن الطريق الذي سلكته أوروبا الغربية.
نظر ماركس وإنجلز إلى الإمبراطورية الروسية في عهد الحكم القيصري باعتبارها إحدى القوى الرئيسية المدافعة عن الأنظمة الملكية التقليدية في أوروبا.
فخلال ثورات عام 1848 وما أعقبها، أدّت روسيا دورًا في دعم القوى المناهضة للحركات الثورية، وهو ما جعلها في نظرهما عائقًا أمام التحولات الديمقراطية والاجتماعية التي شهدتها القارة الأوروبية.
وقد أشار ماركس وإنجلز في مقدمتهما للطبعة الروسية من البيان الشيوعي عام 1882 إلى دور روسيا السابق بوصفها قوة احتياط للرجعية الأوروبية، قبل أن يلفتا إلى تنامي الحركة الثورية داخلها.
ومن هنا، اكتسبت المسألة الروسية أهمية سياسية تجاوزت حدود روسيا نفسها، لأن أي تحول ثوري فيها كان من الممكن أن يؤثر في موازين القوى السياسية في القارة الأوروبية.
كانت روسيا في القرن التاسع عشر تختلف اختلافًا كبيرًا عن المجتمعات الصناعية في أوروبا الغربية.
فبينما شهدت بريطانيا وفرنسا وأجزاء من ألمانيا توسعًا في الصناعة ونموًا في العلاقات الرأسمالية، ظل الاقتصاد الروسي يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة، وكانت العلاقات الاجتماعية فيه متأثرة بالمؤسسات الموروثة عن النظام الإقطاعي.
وعلى الرغم من إلغاء القنانة عام 1861، فإن الفلاحين الروس ظلوا يعانون من الأعباء الاقتصادية والضرائب والقيود المرتبطة بحيازتهم للأرض.
وقد أثارت هذه الظروف اهتمام ماركس إلى درجة أنه بدأ تعلّم اللغة الروسية في مطلع عام 1870، ليتمكن من قراءة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الروسية بلغتها الأصلية، ولا سيما مؤلفات فليروفسكي وتشيرنيشيفسكي. وأكد ذلك في رسالته إلى سيغفريد ماير بتاريخ 21 يناير 1871.
ولم يكن اهتمام ماركس باللغة الروسية اهتمامًا لغويًا مجردًا، بل كان وسيلة لدراسة مجتمع يختلف في تكوينه الاقتصادي والاجتماعي عن المجتمعات التي استند إليها في تحليله للرأسمالية.
كانت المشاعة القروية الروسية، المعروفة باسم الأوبشينا، من أبرز القضايا التي استوقفت ماركس وإنجلز.
فقد اتسمت هذه المشاعة بوجود ملكية جماعية للأرض، مع توزيع حق الانتفاع بها بين الأسر الفلاحية التي كانت تزرع حصصها بصورة فردية في الغالب.
وقد أثار هذا النظام سؤالًا جوهريًا يتعلق بمسار التطور التاريخي: هل ينبغي لروسيا أن تمر بجميع المراحل التي عرفتها أوروبا الغربية، بما فيها التطور الرأسمالي، قبل أن تتمكن من الانتقال إلى الاشتراكية؟
أم أن وجود الملكية الجماعية للأرض يمكن أن يشكل أساسًا للانتقال إلى نمط أعلى من الإنتاج الجماعي، دون المرور بالتجربة الرأسمالية كاملة؟
وفي عام 1881، تناول ماركس هذه الإشكالية في مراسلاته مع الثورية الروسية فيرا زاسوليتش، وبيّن أن المشاعة القروية قد تتيح إمكانًا للتحول الاجتماعي، بشرط إزالة العوامل الاقتصادية والسياسية التي تهدد وجودها وتوفير الظروف اللازمة لتطوير الإنتاج الجماعي.
ولم يكن ماركس يرى أن الملكية الجماعية التقليدية تكفي وحدها لتحقيق الاشتراكية، وإنما كان يبحث في إمكانية تطويرها بالاستفادة من الإنجازات التقنية والإنتاجية التي أوجدتها الرأسمالية.
لم تكن المسألة الروسية مجرد قضية تتعلق بمستقبل مجتمع زراعي، بل طرحت سؤالًا فلسفيًا حول مدى عالمية النظرية الماركسية.
فقد تناول ماركس في كتابه رأس المال نشأة النظام الرأسمالي وتطوره، معتمدًا بصورة أساسية على التجربة التاريخية لأوروبا الغربية، ولا سيما بريطانيا.
لكن تطبيق هذا التحليل على روسيا أثار إشكالية تتعلق بما إذا كانت جميع المجتمعات محكومة باتباع المسار التاريخي نفسه.
وفي رسالته إلى هيئة تحرير مجلة «المذكرات الوطنية» الروسية عام 1877، رفض ماركس تحويل تحليله التاريخي لنشأة الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى قانون عام يُفرض على جميع الشعوب بصرف النظر عن ظروفها التاريخية.
وتكشف هذه المسألة عن أهمية الظروف التاريخية الخاصة في التحليل الماركسي؛ فالتطور الاجتماعي لا يمكن فهمه من خلال نموذج مجرد وحده، وإنما يتطلب دراسة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل مجتمع.
وهكذا، دفعت التجربة الروسية ماركس إلى بحث إمكان وجود مسارات تاريخية متعددة، بدل افتراض أن جميع المجتمعات لا بد أن تكرر التجربة الأوروبية بحذافيرها.
لم ينظر ماركس وإنجلز إلى إمكان الانتقال الروسي نحو الاشتراكية بمعزل عن التطورات الثورية في أوروبا الغربية.
ففي مقدمة الطبعة الروسية من البيان الشيوعي، المؤرخة في 21 يناير 1882، طرحا إمكانية أن تصبح الملكية الجماعية للأرض في روسيا نقطة انطلاق لتطور شيوعي، إذا كانت الثورة الروسية إيذانًا بثورة عمالية في الغرب، بحيث تكمل إحداهما الأخرى.
ويعني ذلك أن إمكان تجاوز المرحلة الرأسمالية في روسيا كان، في تصورهما آنذاك، مشروطًا بظروف تاريخية دولية، وليس نتيجة حتمية لوجود المشاعة الفلاحية.
وقد عاد إنجلز إلى هذه المسألة في كتاباته اللاحقة، مشيرًا عام 1894 إلى أن توسع الرأسمالية داخل روسيا كان يؤدي إلى تفكك المشاعة القروية، مما جعل إمكانية الاعتماد عليها في التحول الاشتراكي أكثر تعقيدًا.
#المصدر : قراءة في كتاب
#حول_روسيا_ماركس_انجلز
#ترجمة_جورج_طرابيشي
#دار_الطليعة_بيروت
#الطبعة_الاولى_١٩٧٥
#كهف الفلسفة
#مجلة ايليت فوتو ارت.


