بدت أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر كرقعة شطرنج واسعة، يحرك بيادقها دهاة الملوك والأباطرة بحذر شديد. وفي قلب الإمبراطورية الروسية، وقفت الإمبراطورة “إليزابيث” ترقب المستقبل بعين قلقة، تبحث عن ضمانة لاستمرار سلالة آل رومانوف، وعن عروس لوريثها وابن أختها “بطرس”.حضر اسم “فريدريك العظيم”، عاهل بروسيا القوي، فارضاً ظله على المشهد، حيث عرض شقيقته لتكون الزوجة المنتظرة. لكن “إليزابيث”، بحدسها السياسي وخوفها من تعاظم النفوذ البروسي، رأت في ذلك الاقتراح تهديداً يتطلب الحيطة. آثرت توجيه أنظارها صوب إمارة “أنها-لت-تسيربست” الألمانية الصغيرة، لتختار أميرة شابة مغمورة تُدعى “صوفي”، رأت فيها عجينة طيعة يمكن تشكيلها لخدمة المصالح الروسية، وتكافئ بها التوازنات الدبلوماسية الدقيقة بعيداً عن هيمنة بروسيا.وصلت الفتاة الشابة إلى بلاط سان بطرسبرج عام 1745، حاملة في حقائبها القليل من الثياب والكثير من الطموح. أدركت منذ اللحظة الأولى أن البقاء في هذا العالم الجديد يتطلب انصهاراً كاملاً، فسارعت لاعتناق الأرثوذكسية واتخذت اسم “كاترين”، وانكبت تدرس اللغة الروسية وتتشرب ثقافة الشعب حتى صارت روسية الروح والهوى.بالمقابل، سار زواجها من “بطرس الثالث” في طريق وعر. إذ ظل الوريث هائماً في حبه لكل ما هو بروسي، غريباً عن شعبه وزوجته، مفضلاً اللعب بجنوده الدمى على شؤون الحكم ومودة زوجته. اتسعت الهوة بينهما، ووجدت كاترين نفسها وحيدة في مواجهة مصير غامض، ما دفعها للبحث عن الحلفاء في أروقة القصر وبين صفوف الجيش.برز “غريغوري أورلوف”، الضابط الوسيم والقوي، كشخصية محورية في حياتها، مانحاً إياها الحب والدعم العسكري الذي تشتد حاجتها إليه. ومع رحيل الإمبراطورة إليزابيث واعتلاء بطرس العرش، تسارعت الأحداث. أثارت سياسات القيصر الجديد حفيظة النبلاء والحرس، ورأوا في كاترين البديل الأجدر والأقوى.وحين جائت لحظة الحقيقة عام 1762، ارتدت كاترين زي الحرس الإمبراطوري، وامتطت جوادها الأبيض لتقود انقلاباً أبيضَ سانده الجميع. انحنى لها الجيش والنبلاء ولاءً وطاعة، واعتُقل بطرس الذي وجد نفسه مجرداً من صولجانه، ليلقى حتفه بعد ستة أشهر في ظروف غامضة، تاركاً الساحة خالية لكاترين ” كاترين العظيمة”، التي أمسكت بزمام الإمبراطورية بقبضة من حديد، مدشنة عصراً ذهبياً خلد اسمها في صفحات التاريخ.رافقَ هذا الصعودَ المذهل جانبٌ آخرُ أقلُ إشراقاً، حيثُ امتزجت في سيرةِ الإمبراطورةِ طموحاتُ السياسةِ بنزواتِ القلبِ وقسوةِ الجلادين. فقد شرعت كاترين أبوابَ مخدعها لتعاقبِ العشاقِ والمحظيين، جاعلةً من العاطفةِ عملةً سياسيةً رابحة، ومغدقةً على مقربيها، مثل “أورلوف” و”بوتمكين”، ألقاباً وهدايا باذخة، شملت آلافاً من “الأرواح” البشرية (الأقنان) الذين سيقوا لخدمةِ نزواتِ النبلاء.وحامتِ الشبهاتُ حولَ الطريقةِ التي خلتْ بها الساحةُ لمجدها. فظلتْ مأساةُ زوجها المعزولِ في “روبشا”، وموتهُ الغامضُ تحت حراسةِ المتآمرين، وصمةً تلاحقُ تاريخها، مؤكدةً أنَّ الطريقَ إلى السلطةِ قد يمرُّ غالبا فوقَ الجثث. وتكررَ المشهدُ الدامي مع السجينِ الملكيِّ “إيفان السادس”، الذي لقيَ حتفهُ بسيوفِ حراسهِ ليبقى العرشُ آمناً من أيِّ منافس. وحينَ تجرأ القوزاقيُّ “بوغاشيف” على إشعالِ فتيلِ التمرد، واجهتهُ بيدٍ من حديد، وأنهت ثورتهُ بمشهدِ إعدامٍ وحشيٍ في الساحاتِ العامة، مثبتةً للعالمِ أنَّ تلكَ اليدَ الناعمةَ التي راسلتْ فلاسفةَ التنويرِ، هي ذاتها اليدُ القابضةُ على السيف، المستعدةُ لسحقِ الخصومِ وإراقةِ الدماءِ ثمناً للبقاءِ والسيادة.# حقبة تاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.


