قصة قصيرة عن حكاية تفاحة برية غير طازجة

تفاحة برية غير طازجة
مريم الفارسي 
قص(زكريا رمحاني)

فتحت السيدة ليلى عينيها متثاقلة، ثم تأففت… إنه صباح جديد مرة أخرى. هي ليست كائنًا ليليًا، ولكنها تكره الصباح، لأنه يذكرها ببداية حياة لا تملك منها شيئًا. نعم، هذه الجملة صحيحة جدًا في سياقها، فهي لم تعد تملك من الحياة شيئًا… لا عائلة، ولا حبًا، ولا عملًا، ولا سببًا يحثها على النهوض من السرير كل يوم. كان لها ابن وحيد، أقول كان لأنه لم يعد معها، ولأنه في الغالب لن يعود أيضًا.تتشابه دومًا صباحات هذه السيدة، إلا تلك التي تقرر فيها أن تكتب، وحدها هذه الصباحات تصنع فرقًا في روتين يومها البئيس. إنها تستمتع بخلق الشخصيات وخنقها أيضًا. تقتل كل شخصيات قصصها في النهاية كمن يشرب الماء دفعة واحدة. كأنها تفعل ذلك انتقامًا من كل الذين عبروا حياتها وتمنت لو أنها خنقتهم بيديها الرقيقتين حتى الموت.زياد زوجها واحد من هؤلاء الذين تمنت لهم هذا المصير، ولكنها، ومن حسن الحظ، أو سوئه، مجرمة فقط في خيالها.تناولت فطورها ببطء أكثر من اللازم، إذ ما الذي ينتظر امرأة متقاعدة قبل الأوان لا تنتظر شيئًا ولا ينتظرها شيء؟ حينما انتهت توجهت مباشرة إلى حاسوبها، كانت الفقرة التي كتبتها ليلة البارحة تصرخ في وجهها عبر الشاشة، تستطيع سماع صوتها صاخبًا… في الحقيقة، كل تلك الأشياء التي نتركها في المنتصف معلقة من دون اكتمال، أو نهاية، تصرخ فينا. إلا أننا في الغالب لا نملك حاسة السمع ذاتها. ولكن السيدة ليلى تفعل، إنها متيقظة الحواس أكثر مما ينبغي على الدوام.تقول الفقرة:”في الليل يتحوّل جسدي إلى مصنع أصوات، تنز من أذني وعيني وأنفي كما تسيل الدماء. أتخيل تلك الأصوات على هيئة شياطين صغيرة بأسنان حادة وألسنة ثعابين. كان ينبغي أن أفجر كل الغضب الذي راكمته في داخلي مع مضي السنين، ولكنني تحولت إلى كتلة صمت تتمشى على قدمين. لم يكن صمتي حكمة طبعًا، بل كان نتيجة عشرات العقاقير التي ابتلعتها يوميًا، فخدّرتني كليًا، جسدًا بلا روح، أو ربما هكذا كنت دومًا جسدًا بلا روح.ثمة قصص لفظاعتها نظن أنها لا تحدث معنا نحن تحديدًا، إنها تحدث للناس، للبعيدين، لأولئك الذين لا نعرفهم، فننتشي وإن لم نعترف لأحد بذلك، لأننا ندرك أن هنالك في هذا العالم من هم أكثر شقاء منا… لكنه في الحقيقة لا تفاضل في الألم مهما بدا لنا صغيرًا، أو كبيرًا، الألم يظل ألمًا ونحن البشر منذورن له منذ بدء الخليقة، ولا نملك إلا أن نواجهه بكامل الضعف والهشاشة، ويبدو أن من نصيبنا نحن النساء قسطه الأكبر”.هل كان هذا ما تريد أن تقوله بطلة قصتها لو كانت شخصية حقيقية؟ أم أنه في الحقيقة ما تريد السيدة ليلى قوله؟ إنها تكره جدًا حينما لا تنفصل عن نصوصها، لتجد حياتها متشظية مثل أحجية في كل القصص التي تكتبها. لكن ممَ تخاف تحديدًا؟ ففي النهاية، لا أحد يعرف حكايتها كاملة سواها، وفي الأصل هذه قوة الأدب، أن تحكي قصتك متخفيًا في قصص الآخرين، تلبسهم ما حدث، أو ما كنت تريد أن يحدث، وتقرر لهم مصيرًا غير الذي صرت إليه أنت. لكنْ أي هذه الحجج يقنعها الآن؟ بعد أن عبر كل هذا رأسها، فقدت رغبة الاستمرار في الكتابة.الساعة تشير إلى الواحدة نهارًا، وزوجها زياد الذي قضى ليلته خارج المنزل، كما العادة، لم يعد بعد، لكنها لم تعد تغضب لذلك. لا أعرف متى يحدث الإدراك عادة، لكنه في حالتها حدث فجأة. هي نفسها لا تعرف متى كفت عن انتظاره، ولا متى قررت التغاضي عن خياناته الكثيرة. لم يعد مثلًا أثر أحمر الشفاه الذي تجده مرسومًا بعناية على ياقات قميصه يزعجها، ولا حتى بقايا العطور، الرخيصة أحيانًا، والغالية أحيانًا أخرى، التي تعلق في ثيابه، تشعل النيران في قلبها، كما كانت تفعل حينما كانت لاتزال في أواخر عشريناتها. نعم، لقد كانت يومًا هذه المسنة التي فقدت كل بريق وشغف فتاة في العشرين تنضح بالحياة وبالحب.قبل النضج بقليل، يوم قررت أن تغض الطرف عن خطايا زياد الكثيرة، زارها صوت وصرخ فيها:الرجل خانك حينما كنت مثل تفاحة برية طازجة في الثامنة والعشرين، وبدل أن تغادري، سامحته، وأكملت الطريق بقلب مكسور، فما الذي قد يمنعه الآن وأنت تطلين على الستين، بأثداء متدلية، ووجه منكمش أكثر مما ينبغي لسيدة في نهاية الخمسين؟لا تعرف لماذا تذكرت طفلها ياسر، الذي لم يعد بالمناسبة طفلًا، لكنها ما تزال مصرة على أن تراه كذلك. حينما حمل ياسر أمتعته وغادر إلى حيث لا تدري في أحد الصباحات، ألقى في وجهها كلامًا مثل الرصاص ورحل… لقد قال شيئًا مثل أنها أم وعجوز لا تُحتمل، ومثل أنه كان يتمنى لو لم تأت به إلى العالم من الأصل.لا تذكر ما قاله حرفيًا، نحن لا نذكر تحديدًا الكلمات التي تجرحنا كما تجرح المعاول بطن الأرض… إنها بمثابة آلة دفاعية تصنعها الذاكرة لتجنبنا الألم، ولكنها تذكر الآن موضع الجرح جيدًا.تركت مقعدها أمام الحاسوب، تمشت ببطء وهي تنزع ثيابها، ثم عارية وقفت أمام المرآة:ــ “أنا عجوز لا أحتمل”. تمتمت.ظلت هذه الجملة، ومنذ أن غادر ولدها، تطن في رأسها مثل جرس سيارة إسعاف تنقل شخصًا يُحتضر.لكني لم أختر أن أكون هكذا، الحياة دفعتني كل يوم إلى أن أكون بلا قلب. إنها مثل آلة تدوير ضخمة تدخلها أصيلًا وحالمًا وبريئًا فتخرج منها منزوع الجناحين وقاسيًا بشكل خاص.بعد هذه الجملة تحديدًا انهمرت دموع غزيرة من عينيها، وفي هذه اللحظة، تناهى إلى سمعها طرق على باب الغرفة الموصد بإحكام، كان خفيفًا في البداية، ولكنه سرعان ما صار عنيفًا… لم يكن سوى زوجها زياد على الطرف الآخر من الباب. يدقه بكل عنف، لأنه يعرف جيدًا ما الذي يدور في رأس زوجته التي تتعايش مع الاكتئاب الحاد الذي تحول لاحقًا إلى سكيزوفرينيا. هل قلت تتعايش؟ في الحقيقة ليس هذا وصفًا دقيقًا، بل هي تصارع كل يوم هذا الفصام من أجل البقاء على قيد الحياة.فقدت تدريجيًا كل شيء، عملها وأصدقاءها وعائلتها وابنها الوحيد. لكن زياد لم يتركها تواجه وحدها هذا الاحتضار المتكرر. وحده كان معها وبجوارها في كل الحالات، بالرغم من أنها فعلت كل ما قد يجعله يرحل. قالت إنه خائن، وراحت تخترع كل يوم سيناريو جديدًا لهذه الخيانة وتصدقه. ثم لاحقًا صارت تقول إنه “سينهي حياتها… سيفعل بلا ريب”، ولذلك كانت تتدرب كل يوم على فعل القتل في القصص التي تكتب.أحبها زوجها بإخلاص لثلاثين عامًا أكثر من نفسه، وسيظل يفعل لثلاثين عامًا آخر ربما لو ظل على قيد الحياة… لو ظلت هي على قيد الحياة.* صحافية وقاصة من المغرب.# ضفة ثالثة# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم