حكاية الكلب الذي صارع رئيس الجماعة القاص عبد السميع بنصابر Abdessamia Bensaber في العدَدِ السابعِ بعدَ المائةِ من مجلةِ “العندليبِ”، قرأ أحدُ الصِّبْيَةِ معلومةً غريبةً، مُؤَدّاها أنّ الكلابَ لا ترى الألوان. لكنَّ “ريكس”، استطاعَ، ذاك المساء، في لحظة استعصت على نظريات العُلماء، أن يُـميّزَ صُفرةَ سروال صاحِبِهِ، عندما عمدَ أحدُهم إلى نزعِهِ داخلَ الملعبِ أمامَ الملإ، حتّى لا يرتفِعَ بجسمهِ إلى الأعلى ويصُدَّ الكُرةَ المتّجهةَ نحو المرمى. تعالتْ هُتافاتُ شبابِ القريةِ، وصرخَ الحشّاشون والسّكارى والأطفال. ولم يستطعِ الكلبُ المُسنُّ أن يميّزَ فيما إذا كانتْ تلك الهتافاتُ فرحاً بتسجيلِ الهدفِ، أم بسببِ تكشُّفِ عورةِ صاحبِه. وعندما أعياهُ التفكيرُ نبحَ طويلاً، واختلطَ نباحُهُ بِعُوائِهم. نعم، في مثلِ هذهِ المواقف عليه أن ينبحَ فقط، لأنّ أنيابَهُ لم تعُدْ حادّةً كما كانت. وزمجرتُهُ لم تعُدْ تخيفُ النَّمل. والمكانُ الذي كان يتكوّمُ فيه بين الجمهور، لم يكن سوى جميل منهم، وربما كان ذلك على سبيل ِالأُلفَة. إنه يعلمُ ذلك ويوقنُ به مثلَهم. وهو يتذكّرُ جيدا كيف أنّ الجميعَ ناداه قبل سنواتٍ بـ”ريكس”، ثم أمهلوه فترةً حتّى برزت عظامُه، ولم يعد بعدها أحدٌ يهتمُّ به. وحتّى إذا ما أراد أحدٌ أن يشيرَ إلى مسكنِ صاحبِه، مدَّ سبّابتَهُ قائلا “حيث يتكوّمُ ذلك المجحوم!” . حين كان الشبابُ ينْوُونَ حضورَ حفلِ زفاف بقريةٍ مجاورة، كانوا يمرون كعادتهم على مسكن صاحبِ الكلب، ثمّ يُطلقون صفيرا متواصلا، فَــيَــنْــبَــري الكلبُ مِن بين أشجار الصبّار. ولم يكنِ الإصرارُ على صُحبتهِ بدافع الاحتراسِ من قطّاع الطرق. كلّا، فهُم من كانوا يتكلّفون بقطعِها أساسا. لكن السببَ إنّ لـ”ريكس” هذا، وإن نحُفَ جسمه وخارت قواه، حاسَّةَ شمٍّ عزَّ نظيرُها. فإذا حدثَ وتوقّفَ في لحظة ما ومدَّ خيشومَه وارتفعتْ أذناه، فلا بدّ أنّ ثمة أفعى مُتكوّمة تتربّص بأحدٍ في الجِوار. ولم يكُن المجحومُ غبيا حتى يتبعَ هؤلاءِ الفتيةَ العابثين، ويقطعَ تلك الأميالَ في الليالي عبثا، دون أن يُمنّيَ نفسَهُ بفضلاتِ الأعراسِ التي كانوا يرمون بها طيلةَ طريقِ العودة، كلّما تباطأتْ خطواتُهُ مِنَ العجزِ والتّعب. في تلك الليلة، لم يحتجِ المجحومُ قطعَ مسافةٍ لينعم بعظام الدّجاج كما أَلِفَ، فقد ملأ الدنيا وشغلَ الناس حفلُ تنصيب رئيسِ الجماعةِ القروية. والرئيسُ الجديدُ، كما يعلم الجميعُ أحد أبنائِها البرَرة. ولن يُحِسَّ بجوعهم أكثرُ من جائع قديم. لذلك قُدِحتْ نيرانُ المطابخ، وارتفعتْ أدخنةُ الشّواء، وامتلأتِ الأطباقُ بما لم يحلم به هؤلاء البؤساءُ يوما. حتّى إنّ القططَ والكلابُ تجشَّأتْ ولم يبق إلا أن تولِغَ في كؤوس الليمونادا أيضا.. في صبيحةِ اليومِ الموالي، كانتِ القريةُ قد دشّنتْ عهدا آخر مع رئيسِها الجديدِ، أعْــلَنَـتْها لافتاتُ التِّرحابِ الّتي زيّنتْ أسوارَ المنازلِ الطوبيَّة. تقدّم المجحومُ نحو إحداها، ثمّ مدَّ خيشومَهُ يتشمَّمُها. وحين تأكّدَ ألّا خطرَ في ذلك، رفعَ قائمتَهُ ثمّ تبوّلَ على أحْرُفِها البارزةَ، قبل أنْ يسترخيَ مُغْفِياً قربَ صنوبرة في اطمئنان. وفي تلك اللحظةِ، وبعيدا عن هناك بأمتار قليلة، كان المستشارون يتحلّقون بإحدى قاعاتِ مقرِّ الجماعةِ مستنفرين آذانَــهُم لسماعِ أوّلِ خطابِ للرئيس. مدّ الرجلُ يده لِيفُكّ ربطةَ عنقِهِ قليلا ثمّ نحنح وهو يربّتُ على المايكروفون: ” أيها السادةُ المحترمون، إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم (…) إنّ القريةَ في حاجةٍ إلى حملةِ تنظيفٍ واسعة (…) ولن أُعْلِنَ بدايتَها قبل أن نقضيَ على الكلابِ –أعزّكم الله- التي ملأتْ الأزقة.” ارتفعتِ الأيادي مُصَوِّتة مُصَفِقّة للقرار. وقبل مغادرتهِمُ القاعة، انتشرَ الخبرُ كما تنتشرُ النار في هشيم حلفاء. وما هي إلا ساعاتٌ حتّى سُمِع دويُّ البنادقِ مصحوبا بهديرِ شاحنةِ الجماعةِ وهي تَلُمّ جُثَثَ الكلابِ المتناثرةِ في كلّ مكان. ورفع شيخٌ عُكّازَهُ في الهواء صائحا في حماسة: “واااالخيل!” كان الصبيةُ يتراكضون أمام الشاحنةِ يدلّون عمّالَ الجماعةِ على مواضعِ الكلابِ، وحين تشمّمَ “ريكس” رائحةَ البارود، كان الأوانُ قد فات. إذ إنَّ رصاصةً اخترقتْ قائمتَهُ الخلفيّةَ قبل أن يفرّ بجلده، فراح يزحفُ مُطلقا نباحا أشبهَ بالنواح، وهو يحاول الاختباءَ بين جذوع الأشجار. عندها انهالتْ عليه الطلقاتُ العشوائيةُ، فانفجرتِ الدماءُ من بين عظامه. ومرة أخرى، استطاعَ أن يميّزَ لونَها الأحمر القاني ضدّا على كلِّ النظريات العلمية، مُدركا، في الآن نفسه، أنها آخرُ عهدٍ لهُ بالحياة. قبل أن تجنحَ الشمسُ نحو مغربها، كانتِ القريةُ قد أُقفِرَتْ من كلابها. وجاء العمّالُ بالمكانسِ لِــمَحْوِ آثارِ الدّماء. لكنَّ سؤالا واحداً بَقِيَ مُعلقا دون جواب: من سيصحبُ الفتيةَ إلى الأعراسِ ليلا؟ قال الرئيسُ مخاطبا الشبابَ ذاك المساء: – إنني أُدركُ ما يدور في أذهانكم. في المراتِ القادمة لن تحتاجوا مجحوما ليرافِقَكم. ستكون شاحنةُ الجماعةِ في خدمةِ أبناءِ الدوار! وليتَهُ لم يُقررْ ذلك، فخلالَ كلِّ رحلةٍ من ليالي الصيفِ الحافلةِ بالأعراس، كانتْ جثّة “ريكس” تتمثّل لِــلْــفِتْيَة وهي ممدّدَةٌ داخلَ الشاحنة، حتّى إنهم آثَروا الاستغناءَ عنها لاحقا دون أن يُدرِك الرئيسُ سببا لذلك. في القريةِ نفسِها، حدثَ قبل عشراتِ السّنين، أنْ وَلَـــجَ صبِيٌّ بابَ المدرسة. وكان ذاك أولَّ عهدٍ لهُ بها. لكنْ ما إن تجاوزَ البوابة حتّى قفز كلبُ الحارس مطارداً إياه. لم يعُدِ الصبيُّ بعدها أبدا. وهكذا لبِثَ أميا يجهل القراءة والكتابة. ولأن أبوابَ الوظيفة أُوصِدَتْ في وجهه، طرقَ بابَ السياسةِ وتدرّجَ في سلالمها حتى صار رئيسَ جماعةٍ بالقرية عينها. ولم يكُنْ غير الرئيسِ نفسِه الذي نفّذَ حكمَ الإعدام في حقّ كل الكلاب. فمِنَ المحتملِ أن يكون أحدُ تلك الكلابِ من حفَدَةِ غريمه القديمِ. من يدري؟ ومن يدري عن هذه القصّة أيضا؟ لا أحدَ في القرية يعلمُ هذا السرَّ غير المجحوم الذي بالَ على اللافتة يومَها. ولم يكُنْ طبعا الكلبَ نفسه الذي طرد الصبيَّ من المدرسةِ. قد يكون إنْسيًّا في هيأةِ كلبٍ حسْبَ نظريةِ التناسُخ التي طالعها شخصٌ ما في مجلة (لن نذكر عنوانَها هذه المرةَ حتى لا يُصدِرَ الرئيسُ أمرا بحرق جميع الكتب في القرية). وقد يكون الشخصُ الذي قرأ عن تلك النظريةِ هو نفسُه مَنْ طالعَ العددَ السابِعَ بعد المائة من مجلةِ العندليبِ قبل أعوامٍ… من يدري؟مراكش – 2010# القصة القصيرة# مجلة ايليت فوتو ارت


