قصة العالم السوري: د.عدنان وحّود . سجل أكثر من ستين براءة اختراع دولية..

في أحد أحياء دمشق القديمة، وفي شهر أيار عام 1951، وُلد طفل لم تكن عائلته تملك الكثير من متاع الدنيا، لكنها كانت تملك شيئًا أثمن: الإرادة والعمل والإيمان بأن العلم يمكن أن يغير حياة الإنسان. كان عدنان واحدًا من ثمانية أبناء في أسرة مكافحة، يعمل والده على النول العربي اليدوي، ذلك النول الذي كان يحتاج إلى صبر طويل ودقة متناهية، بينما كانت والدته تغزل الخيوط التي ستتحول لاحقًا إلى أقمشة تحمل تعب الأسرة وأحلامها.

كبر عدنان بين أصوات الخيوط وحركة المكوك وإيقاع النول. لم يكن ذلك العمل بالنسبة له مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل كان أول مختبر علمي دخل إليه في حياته. كان يراقب حركة اليد والقدم، يتابع كيف تنتظم آلاف الخيوط، وكيف تتحول الفكرة البسيطة إلى قطعة قماش. هناك، في ذلك المكان المتواضع، بدأت تتشكل علاقة استثنائية بين الطفل والآلة، بين الإنسان والتقنية.

عندما دخل مدرسة حسان بن ثابت الأنصاري عام 1958، كان عليه أن يواجه واقعًا صعبًا. ففي سن الثانية عشرة تقريبًا أصبح أمام خيارين: أن يترك الدراسة ليساعد أسرته، أو أن يجد طريقة للجمع بين العلم والعمل. اختار الطريق الأصعب؛ فكان يدرس صباحًا ويعمل يوميًا على النول العربي لساعات طويلة. لم يكن يعلم حينها أن تلك الساعات الصغيرة بين الخيوط ستكون الأساس الذي سيقوده بعد سنوات إلى عالم هندسة النسيج والاختراعات.

ومع نهاية الستينيات بدأ النول اليدوي يختفي تدريجيًا أمام الأنوال الحديثة، فانتقل عدنان وهو في الصف التاسع إلى معامل النسيج في دمشق، وهناك رأى لأول مرة الآلات الصناعية الكبيرة التي تقوم خلال دقائق بما يحتاج الإنسان إلى ساعات لإنجازه. لم يشعر بالخوف من هذه الآلات، بل شعر بالفضول تجاهها. أراد أن يفهمها، أن يطورها، وأن يجعل منها امتدادًا لقدرة الإنسان لا بديلًا عنه.

عام 1967 التحق بالثانوية الصناعية في دمشق، وهناك ظهر شغفه الحقيقي. عندما علم أن فرع النسيج مهدد بالإغلاق، لم يقبل الأمر بصمت، بل طرح سؤاله أمام المسؤولين: كيف يمكن إغلاق تخصص يمثل جزءًا مهمًا من صناعة بلد كامل؟ كان لذلك السؤال أثره، وأعيد فتح الفرع ليستمر جيل جديد في تعلم هذا المجال.

تحت إشراف الأستاذ محمد رفيق الحفار، برز تفوق عدنان العلمي والعملي، حتى أصبح واضحًا لمن حوله أن هذا الشاب لا يتعامل مع النسيج كمهنة فقط، بل كعلم مفتوح على المستقبل. وفي نهاية الستينيات أنشأ في منزل والده ورشة صغيرة يصمم فيها برامج خاصة لآلات الجاكارد المستخدمة في إنتاج الأقمشة المزخرفة، لتبدأ من هناك أولى خطواته نحو عالم الابتكار.

وفي الثامن من شباط عام 1971، حمل حقيبته وغادر سورية متوجهًا إلى أوروبا عبر قطار الشرق. لم يكن يحمل معه سوى ألف مارك وبعض الأحلام الكبيرة. لم تكن الطريق سهلة؛ ففي فيينا تعلم اللغة الألمانية، وعمل في أعمال شاقة ليوفر مصاريف حياته، ثم تابع طريقه نحو ألمانيا حيث التحق بجامعة الراين-فيستفالن التقنية في آخن، إحدى أهم الجامعات الهندسية في العالم.
في ألمانيا لم يكن نجاحه وليد الحظ، بل نتيجة سنوات طويلة من العمل والانضباط. كان يستيقظ قبل الفجر لتوزيع الجرائد على المنازل، ثم يذهب إلى محاضراته الجامعية. وبين العمل والدراسة.

اختار عدنان تخصص بناء آلات النسيج ضمن الهندسة الميكانيكية، وكان حلمه واضحًا: أن يفهم الآلة من الداخل وأن يضيف إليها شيئًا جديدًا. وبعد سنوات من البحث والدراسة، أنهى مشروع تخرجه بإشراف عالم النسيج البروفيسور لوننشلوس حول نقل الخيط باستخدام الشعاع الهوائي، وحصل عام 1980 على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، ثم بدأ مسيرته كباحث وعالم في الجامعة.

لم يمض وقت طويل حتى ظهر أول إنجاز عالمي كبير. فقد ابتكر تصميمًا جديدًا لصمام تغذية النفاثات بالهواء المضغوط في آلات النسيج، وهو ابتكار جذب اهتمام شركة زولتسر السويسرية العملاقة، التي قامت بشرائه وتسجيله عالميًا باسم المهندس عدنان وحّود ابن دمشق وسورية.
هذا الإنجاز فتح أمامه أبواب العالمية، فحصل عام 1983 على جائزة ووسام مؤسسة والتر راينرز لصناعة آلات النسيج خلال المعرض العالمي لآلات النسيج في ميلانو بإيطاليا.

لاحقًا انتقل إلى شركة لينداور دورنييه، إحدى أهم شركات صناعة آلات النسيج في العالم، وهناك حصل على الدكتوراه في الهندسة عام 1987، ثم أصبح رئيسًا لقسم البحث والتطوير عام 1988. قاد خلال هذه المرحلة تطوير تقنيات جديدة في مجال النسيج النفاث الهوائي، وأصبح أحد الأسماء المؤثرة عالميًا في هذا المجال.

ولم يقتصر تأثيره على المختبرات والشركات، فقد اختير أيضًا للمساهمة في بناء المصطلحات والمفاهيم العلمية الخاصة بمجال النسيج في الموسوعة الألمانية الكبرى “بروكهاوس”، في شهادة على المكانة العلمية التي وصل إليها.

ومن أجمل اللحظات في قصته تلك الزيارة التي قام بها والده إلى ألمانيا بعد أن بلغ الثمانين من عمره. اصطحبه عدنان إلى المصانع التي أصبحت فيها آلات النسيج الحديثة تعمل بسرعة مذهلة. وقف الأب، الرجل الذي أمضى عمره أمام النول العربي، ينظر إلى الآلات بدهشة، ولمس القماش الذي خرج من تلك التكنولوجيا الجديدة. كانت لحظة تختصر رحلة جيل كامل: ما كان يحتاج إلى عقود من العمل اليدوي أصبح ينتج خلال ساعات قليلة بفضل العلم والهندسة.

واصل الدكتور عدنان وحّود مسيرته لعقود، فسجل أكثر من ستين براءة اختراع دولية، ونشر أبحاثًا علمية عديدة، وشارك في تطوير تقنيات غيرت شكل صناعة النسيج الحديثة. وفي عام 2011 حصل مع فريقه على جائزة الابتكار الدولية في معرض Techtextil في فرانكفورت عن تقنية Open Reed Weave التي فتحت آفاقًا جديدة في صناعة المواد المركبة والمنسوجات المتقدمة.

لكن قصة عدنان وحّود لم تكن فقط قصة عالم داخل المختبر، بل قصة إنسان بقي مرتبطًا ببلده وأمته. ومع اندلاع الثورة السورية، كان من الأصوات التي أكدت على أهمية بناء الإنسان السوري والاستثمار في العلم والمعرفة، وبرز اهتمامه بدعم الكفاءات السورية ونقل الخبرات التي اكتسبها خلال عقود في ألمانيا إلى الأجيال الجديدة. فقد رأى أن مستقبل سورية لا يُبنى فقط بإعادة الإعمار المادي، بل بإعادة بناء العقل العلمي والمهني، وربط السوريين في الداخل والخارج بشبكات تعاون ومعرفة.

كانت رؤيته دائمًا تقوم على أن السوريين المنتشرين حول العالم يمثلون ثروة علمية يمكن أن تساهم في نهضة بلدهم، وأن الخبرة التي يكتسبها الإنسان في أي مكان يجب أن تتحول إلى قيمة تعود بالنفع على المجتمع.

سوريون #syrianslive

أخر المقالات

منكم وإليكم